نوال أبو حيدر
في وقت تتسارع فيه النقاشات السياسية والمالية حول مشروع قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها في لبنان، برزت التعديلات الجديدة على القانون كواحدة من أبرز المحطات المرتبطة بخطة معالجة الأزمة المالية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، في ظل الضغوط الداخلية والخارجية للإسراع بإقرار الإصلاحات المطلوبة. ويأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد الحديث عن مستقبل المصارف، وآلية توزيع الخسائر، ودور الجهات الرقابية والناظمة في المرحلة المقبلة.
وبينما أثيرت في الأيام الأخيرة تساؤلات واعتراضات حول بعض البنود المطروحة، ولا سيما ما يتعلق بصلاحيات مصرف لبنان واستقلاليته، تؤكد مصادر معنية أن الجزء الأكبر من التعديلات يحظى بتوافق بين الجهات الرسمية والمالية المعنية، باعتبار أن هذه التعديلات تهدف إلى تحديث الإطار القانوني لمعالجة الأزمات المصرفية، بما ينسجم مع المعايير الدولية، ويؤمن أدوات أكثر فعالية لإعادة الهيكلة وحماية الاستقرار المالي وحقوق المودعين.
تعديلات تُعيد رسم تعريفات القانون
من هذا المنطلق، يقول عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي أنيس أبو دياب لصحيفة «اللواء» أنه «فعليا، هناك تعديلات كثيرة أُدرجت على قانون إصلاح المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، أبرزها تلك التي دخلت على باب التعاريف، والهدف منها التوسيع والتدقيق لإزالة الالتباسات التي ظهرت في القانون الأساسي. كما شملت التعديلات إعادة صياغة بعض المصطلحات الأساسية المرتبطة بالمصرف والجهات المرتبطة به، إلى جانب توحيد بعض التواريخ والتعاريف، خصوصا تلك المتعلقة بالودائع الجديدة، منعا لأي تناقض في عملية التطبيق».
ويتابع: «كذلك، جرى توضيح الفئات المشمولة بالقانون بصورة أدق، سواء لجهة المصارف أو الشركات التابعة أو الأطراف ذات الصلة. ويساهم هذا الأمر في الحد من إمكان التفسيرات المتناقضة، ويوسع من هامش الوضوح القانوني أمام القضاء أو الجهات الرقابية في حال حصول أي طعن أو أي إشكال آخر، ما يؤدي إلى تسهيل تطبيق آليات الإصلاح وإعادة الهيكلة».
توسيع نطاق المحاسبة المصرفية
وفي سياق متصل، يعتبر أبو دياب أن «هذه التعديلات لم تعد محصورة بمعالجة المصرف بصفته القانونية الضيقة، بل وسّعت نطاق القانون ليشمل، أولا، المصارف التجارية المعنية بصورة مباشرة، إضافة إلى الشركات التابعة للمصارف والمؤسسات المالية المرتبطة بها، فضلا عن الأشخاص أو الجهات المرتبطة بالإدارة أو بحَمَلة الأسهم والملكية. كما يشمل أيضا بعض الكيانات التي يمكن استخدامها بهدف نقل الأصول أو الالتزامات».
ويضيف: «تكمن أهمية هذا التوسّع في منع التحايل عبر نقل الأصول إلى الشركات المرتبطة، كما يتيح معالجة المجموعة المصرفية كوحدة اقتصادية متكاملة، ويعزز حماية المودعين والدائنين، بما ينسجم مع المعايير الدولية الخاصة بإعادة هيكلة المصارف».
صلاحيات أوسع للهيئة؟
أمام كل تلك المعطيات، يشرح أبو دياب أن «هذه التعديلات منحت الهيئة المصرفية العليا دورا أكثر مركزية وفعالية، ومن أبرز صلاحياتها الجديدة اتخاذ القرارات المتعلقة بإعادة هيكلة المصارف المتعثرة، وإقرار خطط الإصلاح أو التصفية، وتعيين إدارات مؤقتة أو مفوضين عنها، إضافة إلى الموافقة على نقل الأصول والالتزامات. كذلك تتولى الهيئة الإشراف على آليات الدمج أو الفصل أو البيع، والتدخّل المبكر قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار الكامل. وفيما يتعلق بالمادة 13 من التعديل على قانون النقد والتسليف، يبرز اعتراض من جانب مصرف لبنان على إنشاء الغرفة الثانية ضمن الهيئة المصرفية العليا، باعتبار أن ذلك يمسّ بصلاحيات المجلس المركزي لمصرف لبنان».
لجنة الرقابة.. تقييم أدقّ وإنذار مبكر للأزمة
وعن تطور دور لجنة الرقابة على المصارف في التعديلات الجديدة وتأثيره على عملية تقييم أوضاع المصارف، يقول أبو دياب إن «دور لجنة الرقابة أصبح أكثر تقنية واستباقية، وباتت اللجنة مسؤولة عن إجراء تقييم معمّق للوضع المالي الحقيقي للمصرف، وتحديد حجم الخسائر والسيولة، إضافة إلى إعداد تقارير رقابية مفصلة تُرفع إلى الهيئة المصرفية العليا، واقتراح التدابير المناسبة بحسب درجة التعثر التي يمر بها المصرف. كما تكمن أهمية هذا التطور في توفير تقييم مهني ورقابي أكثر دقة، بما يعزز الإنذار المبكر قبل تفاقم الأزمة».
هل يفتح إصلاح المصارف باب الحل أم الخلاف؟
وفي السياق عينه، يوضح أبو دياب أن «التعديلات أضافت مجموعة كبيرة من الأدوات الحديثة مقارنة بالقانون القديم، أبرزها اعتماد إعادة الهيكلة بدل التصفية الفورية فقط، وإنشاء ما يعرف بـ«المصرف الانتقالي» عند الحاجة، ونقل بعض الأصول والالتزامات إلى جهة أخرى، إضافة إلى إمكان دمج المصارف المتعثرة، وفرض ما يعرف بخطط التعافي والإصلاح للمصرف، والتدخّل المبكر قبل إعلان الإفلاس الكامل، إلى جانب تنظيم أوضح لترتيب الدائنين وآلية تحمّل الخسائر، وتعزيز حماية الاستقرار المالي ومنع انتقال «العدوى» من مصرف إلى آخر. إذ تعكس هذه الأدوات انتقال القانون من مقاربة التصفية التقليدية إلى مقاربة أكثر حداثة تقوم على إدارة الأزمات المصرفية، وحماية الاستقرار المالي، وتقليل الكلفة على الاقتصاد والمودعين».
ويختم أبو دياب بالقول: «في مجمل هذه النقاط، هناك توافق بين مصرف لبنان ووزارة المال والاقتصاد، خلافا لما يتم تداوله. إلّا أن ثمة نقطتين فقط يعترض عليهما المصرف المركزي، وهما المادة 3 والمادة 13، باعتبار أنهما تمسّان باستقلالية مصرف لبنان».