بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 أيار 2026 12:00ص الاكتئاب الثقافي ليس رفضاً للحياة بل رفضاً لنسختها المبتذلة

حجم الخط
هناك أنواع من الاكتئاب لا تعترف بها كتب الطب، ولا تقيسها تحاليل الدم، ولا تظهر في صور الرنين المغناطيسي، لكنها مع ذلك تأكل الروح ببطء، كصدأ خفيٍّ يتسلّل إلى معدن المعنى. ليس كل حزن مرضاً نفسياً، وليس كل انطفاء خللًا كيميائياً، فبعض ما نشعر به هو نتيجة انفباض أو اتساع أو حتى احتكاك وعينا الحادّ بعالمٍ كثيف البلادة. فهل يمكن أن نفهم ما يمكن تسميته «الاكتئاب الثقافي» وهو الشعور الثقيل بأنك لست متعباً من الحياة نفسها، بل من طريقتها الرديئة في أن تُعاش، كأنك تعيش في نصّ مكتوب بلغة لا تشبه لغتك، أو في مسرحية لا يخصّك دور فيها؟
في الاكتئاب السريري ينكفئ الجسد، يتباطأ النوم، يختلّ الأكل، وتختفي اللذّة في كل شيء، أما في الاكتئاب الثقافي فالأعراض أكثر مكراً لأنك ببساطة تمشي وتنجز وتبتسم أحياناً، لكنك تشعر في الداخل بأن العالم مُسطَّح، بأن الضجيج يغلب المعنى، وبأن كل حديث يدور حول القشور. كأنك جائع وسط سوق مليء بالطعام البلاستيكي، تشتهي خبزاً حقيقياً، فلا تجد سوى صور للخبز. كيف يمكن لإنسان أن يشبع من صور الأشياء؟
ترى التناقضات التي يتعايش معها الآخرون بسهولة، تسمع النشاز تحت الموسيقى، وتلاحظ الفراغ تحت الشعارات الكبيرة. ما يمرّ على الناس مرور الكرام يصطدم بك كحجر. تسأل نفسك بصمت لماذا هذا الكمّ من الرداءة مقبول؟ لماذا نحتفل بالتافه ونخجل من العميق؟ ولماذا يبدو التفكير فعلًا غريباً في مجتمع يتقن الكلام؟ أليست الحساسية المفرطة ثمناً للرؤية الواضحة؟
ثم يأتي الإحساس بالاغتراب، لا كرحلة جغرافية بل كحالة وجودية. تجلس بين أصدقاء وتضحك معهم، لكنك تشعر بأنك تقف خلف زجاج سميك، ترى ولا تُرى، تسمع ولا تُسمع. الكلمات التي تشعل داخلك لا مكان لها في أحاديثهم اليومية، وأحلامك تبدو لهم مبالغاً فيها أو فلسفة زائدة. فهل يمكن أن يكون الإنسان غريباً في لغته الأم وبين أهله؟
في عالم يقدّس السرعة، يصبح البطء تهمة. التفكير يحتاج بطئاً، والقراءة تحتاج لتعديل المزاج الإكتئابي، والتأمّل يحتاج مكانا منفياً، لكن السوق يريد كل شيء سريعاً أخباراً سريعة، حباً سريعاً، نجاحاً سريعاً، وحتى حزناً سريعاً. كأن المطلوب أن نشعر ثم ننسى فوراً. أين يذهب إذن أولئك الذين لا يستطيعون ابتلاع حياتهم كوجبة سريعة، الذين يريدون تذوّق المعنى لقمة لقمة؟ هل أصبح العمق رفاهية لا يملكها أحد؟
الاكتئاب الثقافي ليس رفضاً للحياة بل رفضاً لنسختها المبتذلة. هو احتجاج صامت ضد تحويل الإنسان إلى مستهلك، وضد تحويل الفكر إلى منشور عابر، وضد تحويل الفن إلى إعلان. تشعر أنك خُدعت، أنك وُعدت بعالم غني بالأسئلة فإذا بك في سوبرماركت ثقافي ضخم تتنافس فيه شتى الثقافات. فتسأل نفسك هل المشكلة فيك لأنك تريد أكثر، أم في العالم لأنه يعرض أقل؟
تلعب اللغة دوراً خفياً. الكلمات التي كانت يوماً مشحونة بالمعنى صارت مستعملة حدّ الابتذال من الحرية، الحب، الوطن، النجاح، الإبداع. تكرارها أفقدها وزنها، كما تفقد العملة قيمتها عندما تُطبع بلا حساب. كيف نثق بكلمات صارت لافتات إعلانية؟ وكيف نبني حياة على مفردات فارغة؟
والمدارس والجامعات، التي يفترض أن تكون معامل للمعنى، تتحول في كثير من الأحيان إلى مصانع للشهادات. نتعلم كيف ننجح لا كيف نفهم، كيف نجيب لا كيف نسأل، كيف ننافس لا كيف نتأمل. يُكافأ الحفظ ويُعاقب الشك، وتُكسر الأسئلة الكبيرة لأنها غير عملية. أي ثقافة هذه التي تخاف من السؤال أكثر مما تخاف من الجهل؟
في مثل هذا المناخ، يشعر القارئ الحقيقي بأنه كائن منقرض. يفتح كتاباً فيُسأل: ما الفائدة؟ يكتب نصاً طويلًا فيُقال له: اختصر. يتأمل لوحة فيُطلب منه التقاط صورة ومشاركتها. كأن التجربة نفسها لم تعد مهمة، المهم هو إثبات أنك جرّبت. هل صرنا نعيش لننشر، بدل أن ننشر لأننا عشنا؟
ومع الوقت، يتحوّل التعب الفكري إلى تعب جسدي. ليس لأن الدماغ مريض، بل لأن الروح مستنزفة. الدفاع الدائم عن حقك في العمق مرهق، وشرح شغفك مرهق، ومحاولة إيجاد من يفهمك مرهقة. تبدأ بالتنازل قليلاً: تقلّص أحلامك، تخفف أسئلتك، تضحك على ما لا يضحكك. لكن كل تنازل يترك خدشاً. فكم خدشاً يستطيع القلب أن يحتمل قبل أن يتبلّد؟
ومع ذلك، ثمة مفارقة عجيبة وهي أن هذا النوع من الاكتئاب دليل حياة لا دليل موت. هو علامة على أن فيك جزءاً يرفض الرداءة، يصرّ على المعنى، ويطالب بعالم أصدق. ربما لو تأقلمت تماماً لما شعرت بشيء، لكنك لم تتأقلم، وهذا في حدّ ذاته مقاومة. أليس الألم أحياناً برهاناً على أن الضمير ما زال يقظاً؟
الحل ليس بالدواءً فقط، وإن كان الدواء ضرورياً أحياناً، بل بيئة. تحتاج إلى أناس يشبهونك، إلى حوارات لا تخجل من الأسئلة الثقيلة، إلى كتب تفتح النوافذ، إلى فن يوقظ الحواس، إلى مشروع شخصي تصب فيه طاقتك كي لا تتحول إلى مرارة. أليست الروح مثل النبات، تذبل في الهواء الفاسد وتنتعش حين يتغيّر الضوء؟
ربما يبدأ الشفاء من إعادة تعريف النجاح. ليس النجاح أن تملك أكثر، بل أن تشعر أكثر. ليس أن يراك الجميع، بل أن ترى أنت بوضوح. ليس أن تصعد سريعاً، بل أن تمشي في الطريق الذي يخصّك ولو كان أطول. ماذا لو كان المقياس الحقيقي هو مقدار المعنى الذي نعيشه لا مقدار الضجيج الذي نصنعه؟
وفي النهاية، الاكتئاب الثقافي ليس حكماً نهائياً بل دعوة خفية. دعوة للبحث عن مجتمع أصغر داخل المجتمع، عن جزيرة صدق وسط بحر الزيف، عن لغة تخصّك. ربما لا نستطيع إصلاح العالم دفعة واحدة، لكن يمكننا أن نصنع دوائر صغيرة من العمق والصدق. وإذا كان العالم لا يشبهنا بعد، فهل نملك الشجاعة لنصبح نحن البذرة التي قد تجعله يوماً ما يشبه ما نحلم به؟
أخبار ذات صلة