الفنان المصري محمد عبد الجليل الملقّب جاليليو لـ«اللواء»: «أترك للمتلقّي فرصة أن يرى بذاكرته البصرية وجوهاً قد يعرفها»
تفيض الألوان في لوحات الفنان المصري جاليليو وكأنه يفجّر حرارة الحياة في لوحاته، وكأن كل خط كائن حي يتسلل بين الأجساد ليجعلنا نشعر بالحس الانطباعي، لكن بضربة أكثر خشونة واندفاعاً، كأنها تعانق التعبيرية أيضاً، ورغم التكوين المزدحم في لوحاته لكنه ليس فوضوياً، لأن الضوء اللوني إن صح القول يقودنا دائماً عبر ممر بصري نحو العمق الذي لا يُبنى بالمنظور الهندسي الصارم، بل بتدرّج الكثافة اللونية والضوئية، فجاليليو يبحث عن الإحساس بالمشهد، وهذا ما يجعل لوحاته تتناقض بين الدفء اللوني والبرودة الشعورية. وكأن الازدحام في لوحاته لا يلغي الإنسان بمختلف أشكاله، بل يضاعفه وبهذا يضع جاليليو المتلقي داخل تيار من الحياة تتدفق منه عناصر الجمال وهو اسمه محمد عبد الجليل الملقب جاليليو تخرّج من معهد اعداد الفنيين تخصّص رسم وتصميم تتلمذ على يد الفنان التشكيلي بوكالة الغوري وهو صاحب سيرة ذاتية غنية جدا.
في البُعد الشعبي، تتجاوز لوحاته فكرة التوثيق إلى مستوى الاستبطان. غالباً ما يستدعي ذاكرة جماعية مثل أسواق المدن القديمة، أصوات الباعة، رائحة الفاكهة الناضجة، الفوضى المنظمة التي تميّز الحياة اليومية. هذا الفضاء الشعبي هو البطل الخفي. والمكان في لوحات جاليليو تتشكّل فيه العلاقات، حيث الاقتصاد البسيط يلتقي بالوجود المعقّد. لكن اللافت أن لوحاته عن تترجم الازدحام، التكرار، غياب الفردانية. إنها تُظهر الجمال، لكنها لا تُخفي الثقل. ويُضخّم ما هو مألوف حتى يصبح غريباً كما أن لوحاته هي مرآة لحياة تتكرر بلا توقف، حيث الألوان هي المعنى الحقيقي للإنسان بمختلف أجناسه ومذاهبه وهذا يثير تساؤلات كثيرة منها إذا كانت الوجوه تُمحى وسط هذا الفيض من اللون والحياة، فهل نعيش التجربة… أم أننا مجرد ألوان عابرة داخلها؟ ومع الفنان جليليو أجريت هذا الحوار:
{ الألوان في اللوحة تبدو كأنها تقود المشهد لا تزيّنه، هل تبدأ أعمالك باللون أم بالشكل؟ وهل اللون عندك حالة نفسية أم بناء بصري واعٍ؟
- أبدأ أعمالي في أغلب الأحيان بالألوان مباشرة، معتمداً على المساحات والأشكال الهندسية، سواء البسيطة أو العضوية، واللون بالنسبة لي هو العنصر الأهم، وأتناوله من خلال التوازن البصري والانسجام بين العناصر في تصميم العمل، لتحقق حالة بصرية متزنة، وتعبر عن مضمون العمل، وتناسب العامل الزمني للمشهد.
{ اللوحة مزدحمة لكنها متماسكة، كيف تدير هذا التوازن بين الفوضى والسيطرة أثناء العمل؟ هل هناك تخطيط مسبق أم تترك اللوحة تقودك؟
- في أغلب الأحوال، وليس كلها، لا أقوم بتخطيط مسبق للعمل، وإذا فعلت ذلك، فهي مرحلة تنتهي وتتغيّر أثناء البناء، حسب الحالة المزاجية والتلقائية أثناء التنفيذ، وما يناسب التصميم. وأعتبر الفوضى في العمل هي التلقائية التي أبدأ بها العمل، ولكن بعدها تأتي مرحلة السيطرة على العمل، بناءً على قواعد التصميم ونظرية اللون والعناصر المهمة التي أحاول تحقيقها في العمل، كالكتلة والفراغ والملامس والمنظور.
{ الشخصيات شبه بلا وجوه واضحة، هل هذا اختيار مقصود لنزع الفردية لصالح الجماعة؟ أم أنه انعكاس لطبيعة الذاكرة حين تتذكر المكان لا الأشخاص؟
- عدم التركيز على تفاصيل الملامح بالنسبة لي مهم جداً، وأحاول بقدر الإمكان ألّا أتطرق إلى التفاصيل عامة، وبالأخص في الأشخاص، حتى أترك للمتلقّي فرصة أن يرى، بذاكرته البصرية، وجوهاً قد يعرفها، وبدون أي قصدية مسبقة لملامحهم، معتمداً على ذاكرتي البصرية وخبراتي في الرسم المباشر للوجوه.
{ إلى أي حد هذه اللوحة «مأخوذة» من الواقع؟ وأين تبدأ المسافة التي يتحوّل فيها الواقع إلى تأويل شخصي؟
- بأغلب لوحاتي أستمدّ العمل من الواقع، إمّا بشكل مباشر أو من خلال صور التقطتها أثناء جولاتي للرسم أو السفر، وتكون مصدراً للاستلهام فقط، بحيث إنني لا ألتزم بها كاملة، وإنما تكون مجرد مصدر أستلهم منه بعض العناصر أو الحالة، وبكل تلقائية تتغيّر تماماً، ويكون العمل نتاج معايشة واستلهام ومحاكاة للواقع، برؤية وبصمة خاصة.
{ هناك إيقاع بصري واضح، كأن اللوحة تُقرأ كقطعة موسيقية، هل تفكر بالإيقاع أثناء الرسم؟ أم أنه يتكوّن تلقائياً؟
- الإيقاع البصري يصل إلى المتلقّي من خلال التوازن اللوني والانسجام بين اللون والشكل والكتلة والفراغ والملامس، ويأتي بشكل تلقائي وعفوي مع سماع الموسيقى، حتى أترك ريشتي ترقص فوق سطح العمل مع إيقاع الموسيقى، فيحدث الربط بين الإيقاع السمعي والبصري.






