عقود الهيمنة
لا أعود إلى الأبعد، أكتفي بالبدء من جدّي لأبي، كان يحدثني عن تمدد لبنان إلى سوريا، قبل الحرب العالمية الأولى، ما كان يعرف الحدود الفاصلة بين البلدين. وكان جدّي الثاني لأمي، يحدثني عن لبنان وفلسطين أيضا في الزمن نفسه، ما كان يعرف الحدود الفاصلة بين البلدين ولا يتوقف عندها. كان قطار واحد يصعد إليه الجدّان: واحد إلى سوريا، وواحد إلى فلسطين. وكان مصدر تجارتهم من هذين البلدين، إلى بلادنا.
رحيلهما شهد على رحيل مرحلة. إنطوى ذلك العقد وذلك العهد الجميل على الحزن العظيم. وقعت الحرب العالمية الأولى، خسر شمال لبنان بلاد سوريا، وخسر جنوب لبنان بلاد فلسطين. أتت الخسارة مزدوجة. صارت حمص تحتاج إلى مركز عبور وأوراق وأختام رسمية، أما فلسطين فصارت ممنوعة علينا. أغلق النفق علينا، من جهة الناقورة.
عشت مع أبي على لبنان العظيم، كما كنا نتغنّى، كما كنا نتمنى. كان يصطحبني إلى الجبل الشمالي، وكان يصطحبني إلى الجبل الجنوبي. كان لبنان بمحافظاته الخمس، مثل إجتماع الأصابع الخمس في القبضة الواحدة. كانت المصائف موزعة، عرائس عرائس: في جبال ورجوع ورحلة وبيت مري وعاليه وإهدن وسير الضنية.. وكنا نتنقّل بالقطار وبالمركبات، إلى جميع المحافظات، ننقل معنا الطروش في الشتاء إلى الساحل. ثم نعود مع سنونو الربيع إلى قرى الداخل والجبل.
برحيل أبي، صارت طرابلس في غاية البُعد عنا، وصارت بيروت تحتاج إلى سفر يومين أو ثلاثة. وحرمنا من زيارة الجبل الشمالي والجبل الجنوبي، لثلاثة عقود. كنا نزور هوياتنا، ونتسلل إليهما خلسة.
تسنّى لي العيش لعقود وأن أشهد على توالي الخسارات. خسرنا طرابلس، ثم شهدت على خسارة بيروت وعلى خسارة الجبل، في الحرب الأهلية التي فتحت علينا. كلما أتقدّم في العمر، كانت الحواجز تقتطع حيزا عظيما من لبنان للضرورات الأمنية. تكاثرت علينا البنادق، وتكاثرت علينا الحواجز، وصار من عاداتنا، الإلتجاء إلى المخيمات، طلبا للأمان. كانت المخيمات أكثر أمنا من بيوتنا وقرانا ومدننا. صارت المخيمات في لبنان لها هوياتها الطائفية، فلا يدخلها إلّا من يحمل هويتها.
فجأة كنا ننتقل من البيت إلى الساحة، نترك المدارس والجامعات، ونلتحق بالمعسكرات حماية لأنفسنا. كنا نسرق الوقت سرقة، كما نسرق الصف في المدرسة، وفي الجامعة، كما نسرق الكتاب والدفتر والقلم والمسطرة، والحقيبة المدرسية، كما نسرق الشهادة، التي سرقوها منا. كنا نفاخر أننا سرقنا الشهادة بين فصول الحرب، لا بين الفصول المدرسية والجامعية. وأننا «ظمطنا» بعمرنا، ولم نصب برصاصة طائشة، رغم ما تعرّضنا له من الرصاصات الطائشة.
هكذا كانت العائلة تشهد على سرقة وطنها فصلا فصلا، وعقدا عقدا، ثم صرنا نشهد على سرقة الحرب لأبنائنا، إلى الجبهات والحواجز، وإلى المهاجر وإلى دنيا الشتات الواسعة. وكان شتاتنا يتسع ويضيق، بحسب سخونة العقود التي نعيشها.
منذ الحرب العالمية الأولى، وضعت بلادنا على نار هادئة، تسخن الساحة على القطعة، وعلى الطلب، ولمدة زمنية محددة. نذهب إلى الحرب لوقت محدد، كما في العمل. ثم نعود منها، كما نعود إلى البيت من شغلنا.
قطعت البلاد عقودا صعبة للغاية. كنا نرى كيف يقتطع الجنوب تحت أعيننا، وكيف يعسكر علينا. خسرنا قرى الجنوب، وخسرنا مدن الجنوب، خسرنا الكروم والبساتين والشريط الساحلي، خسرنا حقول النفط، خسرنا حقل «كاريش» أمام عيوننا. وصرنا في الآونة الأخيرة، نحتاج إلى فرصة الإستراحة، حتى نخرج من صفوف الإيواء، من خيم الأرصفة، من الخرائب، إلى بيوتنا في الضاحية. نفرح كثيرا حين يمدد لنا الوقت لأيام، نطير بها إلى المنازل، نخطف أرواحنا، نقتل أنفسنا في حمل النفيس والخسيس، في سيارة مهجر عائد إلى بيروت على وجه السرعة، قبل أن تلاحقه مسيّرة وتذبحه قبل عيد الأضحى. أو ربما كان عائدا إلى المدينة الرياضية، إلى البيال، إلى عين المريسة، إلى الروشة، إلى الحمرا.. ويسمع من المذياع، ويرى بأمّ عينه في الشاشات، كيف تذبح القرى، كيف يضحّى بها في العيد، على عادة تقديم الأضاحي عندنا.
نعم! هكذا صارت حياتنا في العقود الأخيرة. أشهد أني تبلّغت، وأني محسد لأبي لأنه لم يرَ ما أرى، وأني محسد لكل من جديْ الإثنين، لأنه لم يريا الذي أرى، وأعظم خشيتي، أن يرى الأبناء والأحفاد في البلاد وخارجها، لو أنهم عاشوا في زمن الأجداد، حتى لا يكونوا أعظم مصيبة مني، في العقود الأخيرة.
عقود من الهيمنة، عقود على الهيمنة، والأرض تسحب من تحتنا، ولا أحد يرى!
كانوا فقط يحفظون في كل العقود السابقة: تصريف فعل «القبض» ونحن نردد ورائهم في المدرسة: قبضوا، وقبضنا...
والآن يقبضون علينا، الآن، الآن ربما... حان وقت القبض علينا، لسوقنا إلى الذبح في سوق الأضحى!
أستاذ في الجامعة اللبنانية






