«لوين واصل يا عم؟»..
«خدني على بيروت، مطرح ما القلب بحنّ»..
لم أكن من محبّي الشوارع الصاخبة. كنت أفضّل دائماً السكون والهدوء، فضوضاء المدينة لم يجذبني يوماً...
إلى أن رميت نفسي في شوارعها... فضجيجها كان مختلفاً. سحرتني ولا أدري ما السر في سحرها، لكنني أجد نفسي أسير في شوارعها أتأمّل سماها وأغرق في تفاصيلها.. أين ذهبت تلك الطفلة الصغيرة التي كلّما وجدت الفرصة للابتعاد، اغتنمتها لتهرب من عجقة المدينة؟ تلك الطفلة التي لطالما فضّلت الانسجام في الطبيعة والنّسيم، كيف شعرت بنقاء هوائها رغم تلوّثه؟
ظننت أنني أعوّد نفسي عليها، لكن هل الاعتياد سهل لهذه الدرجة؟
عشقتها.. عشقتها بأدق تفاصيلها.. صوت السيارات عند كل مطب على شوارعها المتعرجة.. صوت ذلك الرجل وهو يقول «بأمرك وطن» بعد سماعه صفارة شرطي السير.. وجه الجارة وهي تبتسم للمارّة.. صوت سائق التاكسي يقول «عل حمرا؟ طلاع».. بائع الخضار هنا.. عربة الكعك هناك...
أصبحت منفذي ومكان هروبي.. نعم، أنا الطفلة التي كانت تهرب منها، أصبحت تهرب إليها.. لا أدري متى وكيف حصل ذلك. كلّ ما أدركه أنها أصبحت جزءاً مني ومن كياني.. أحمل كاميرتي وأنزل إليها، التقط صور لكل زاوية منها وكأنها طفلتي المدلًلة التي أجمع لها الصور لأغرق في ملامحها عندما يصيبني الشوق. وفي كلّ مرة تأتي تلك اللحظة التي ينتابني فيها الشّعور بالحنين، أفتح ألبوم الصور التي التقطها وأتأمّلها، فتأخذني إلى عالمٍ آخرٍ، عالمٌ خياليٌّ تمنيت أن يكون حقيقياً.. كيف لي أن أهرب منها وقد أصبحت مأمني وأمني وأماني؟
صحيح أنني لم أعد أهرب منها، لكنني ما زلت في حالة هروب.. هروب من واقعها، من العالم الحقيقي، من عتابها الذي يصيب صميم قلبي.. فيحق لها أن تعاتبنا، بل حتى أن تكرهنا.. أليس قاسياً ما نقوم به بحقّها؟ يقولون العتاب من المحبّة لكنني أخشى عتابها.. فعتابها يشعل النار في قلبي وأنا لا أملك أي وسيلة لإطفائها.
لم أعد أغرق في تفاصيلها، فأصبحتُ أخجل حتّى من النظر إليها... قدّمت لنا أجمل ما لديها لكننا لم نقدّر عطائها. قدّمت الحب فكرهنا الحبّ، قدّمت الجمال فشوّهنا ملامحه، قدّمت الحياة، فلوّثناها بالدماء. دمّرنا كلّ جميلٍ فيها حتى لم يعد لديها من الجمال كفاية لتقديمه.
تربّينا على حبّها ولو كان مريراً. تعلُّقنا بها جاء بالفطرة رغم قساوة العيش فيها. إنها بيروت.. المدينة العصامية.. «ست الدنيا» كما لقّبها الشاعر نزار قباني. هذه المدينة مرّت بكل ما في الدنيا من مصاعب. تحمّلت قساوة الحرب وكانت ساحة للمعارك. حملت أرواح الشهداء وبكت على دمائهم. تحمّلت صوت القذائف والرصاص، وحاولت إكماتها كي لا ترعب أطفالها.. لم تكن تدري أنّ أطفالها لا يدرون ماذا يحدث فيها، ينشغلون باللعب والبراءة في عيونهم مطمئنين أن بيروت ستحميهم.
كبر الأطفال وأصبحوا رجال، وأصبحت بيروت رفيقة أحاديثهم في الجلسات العائلية.. يمدحون صلابتها في أيام الحرب ويذكرون خيرها في تلك الأيام المريرة.. لكن هل هذا ما تريده بيروت منهم؟ أن يذكروا جميلها في الليالي الدافئة ثمّ يتناسوه في الأصباح التالية؟ أهذا ما تنتظره بيروت؟ بيروت لم تنتظر ذكر الحسن فحسب، بل انتظرت أن يردّوا الجميل لها، أن يعيدوا لها الأمان الذي قدمته لهم لسنوات، أن يقدّروا عطائها.. أن يحموها.. أن يحبّوها..
لم تطلب الكثير، فكل ما كانت بحاجة إليها هو الحبّ.. ومن الحبّ يأتي كلّ جميلٍ.. لكن لما لم تحصل على ما طلبته؟ ألم تكن أمنيتها سهلة المنال؟
لقد ذكرت سابقاً أنني أخشى عتابها، لكن في الحقيقة، أنا من أعاتب نفسي. أعاتب نفسي نيابةً عن جميع أبنائها. كلّما نظرتُ إليها، أسأل نفسي: هل تستحق كلّ هذا الأذى؟ عشرات، بل مئات الأسئلة تنبع من متاهة أفكاري، لكنني لا أجد أيّ إجاباتٍ لها.
أرهقني حبّها، فحبّها ممزوجٌ باللّوم.. ألوم نفسي كلما رأيتها مكسورة، وألوم شعبي كلّما مشيت في شوارعها الحزينة..
كنت في كل مرة أنزل إلى طرقاتها، أحمل كاميرتي وألتقط ملامح الفرح ولكن في هذه المرة، لم ترافقني الكاميرا، ففضّلت أن يكون التواصل مباشر وأن لا تكون عدسات الكاميرا حاجزاً بيني وبين مدينتي الحزينة. حاولت أن أفهم سبب حزنها لكنها صامتة وكئيبة. مشيت قليلاً فوجدت الأوساخ تملأ الرصيف فكانت أول ردة فعل أنني اعتذرت منها. أكملت طريقي فوقعت عيناي على الأبنية التراثية الراقية. وجدت ثقوباً على حيطانها هنا وهناك. تأمّلتها قليلاً، وإذ ببائع الخضار يقاطع تأمّلي قائلاً: «عمو هذه الثقوب آثار الحرب. لا تستغربي، فهكذا عشنا في تلك الفترة. الحمد للّه تجاوزناها». فما كان منّي إلّا أن أعتذر من بيروت مرة أخرى، فهي الوحيدة التي لم تتجاوز. هذا عدا عن الهواء الملوث بدخان السيارات والشوارع الخالية من الأشجار، فكان لبيروت اعتذارٌ آخر. ومن اعتذار إلى آخر، بدأت أفهم، وبدأت الإجابات للأسئلة التي كانت تراودني تتضح.
عدت إلى البيت بعد هذا النهار الطويل ولكن قلبي وعقلي ما زالا عندها. أفكّر في كل ما رأته عيناي وشعر به قلبي. في المساء، جلست مع عائلتي وعندما سألتهم عن بيروت، كان جوابهم: «بيروت حزينة وحزنها يكسرنا. لقد اشتقنا إلى بيروت القديمة، بيروت التي كانت مصدر الأمان حتى في أيام الحرب».
لم أستغرب من الإجابة، فقد فهمت طبيعة العلاقة بين بيروت وأهلها. بيروت كانت الأم الحنون. قدّمت كل الحب والأمان والحضن الدافئ لأطفالها خصوصاً في الأيام الصعبة، لكنها لا تدرك أن أطفالها لم يكبروا ولا يزالون ينظرون إليها نظرة الطفل لأمّه.. لا يزالون يطلبون منها أن تعطي وهم أيضاً لا يدركون أنها عطائها قد نفذ ولقد جاء دورهم بالعطاء. هكذا كل طرف ينتظر الآخر، وتنتهي المسألة بأن كلا الطرفين في فراغٍ كئيبٍ..
بحثت عن طريقة لأتكلم مع بيروت وأخبرها عما يدور في داخلي من مشاعر وأفكار بعد التأمّل والاستماع إلى أهلها، فوجدت يدي تمسك بالقلم وتبدأ بالكتابة.
«إلى بيروت» هذه كانت الكلمات الأولى التي وقعت على الورقة، ومن ثم لحقت بها الكلمات جميعها وبدأت المشاعر تقع على الورقة.
«أتذكرين تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تهرب منك لأن أجواء المدينة لم يكن يعني لها شيئاً؟ أتذكرين كيف أصبحت لا تنفصل عنك؟ أنا هي تلك الطفلة. جئت لأخبرك أن حزنك يؤلمني لكنني الآن فهمت سببه.
نحن، يا بيروت، نحبّك حبّاً فريداً من نوعه، حبّاً ممزوج بالتملّك.. فأنت لنا ولا نقبل أن نسلّمك إلى أحد، تماماً كالطفل الذي يتمسّك بوالدته ويعتبرها ملكه فلا يشاركها مع أحد. لذلك، نحن لا نعي على واجباتنا تجاهك لأننا ما زلنا أطفال في عيونك وعيون أنفسنا. فلا تعاتبينا ولا تحزني، نحن لا نعرف أن نكبر في وجودك.. أعلم جيّداً أن هذا خطأ منّا، لكننا اعتدنا على عطائك المستمر، ونحاول أن نغض النظر عن واقعك المؤلم. نحن إلى حد الآن لم نتقبّل فكرة أنك مكسورة لأن الأم في عين طفلها تبقى قوية حتّى لو أرهقتها الحياة. انظري كيف زرعتِ حبّنا لك في كل زاوية فينا. نستيقظ على صباحك الدافئ الذي تجمّله صوت فيروز وهي تغني لك «لبيروت».. نكمل نهارنا فنحاول أن نهرب من الواقع ونلجأ إلى القراءة، وإذ بنا نقرأ قصيدة نزار قباني بعنوان «يا ست الدنيا يا بيروت». يجذبنا البيت الذي يقول فيه «من كانَ يفكّر أن نتلاقى - يا بيروتُ - وأنتِ خرابْ؟» آه يا نزار، كم هو عميق هذا البيت، يصف بدقّة طبيعة علاقتنا معك، يا حبيبة قلبنا يا بيروت. نغلق الكتاب لترتاح من القراءة ونسمع بعض من أخبار البلد فيصيبنا القلق وينتابنا الشعور بالغضب فنقرر أن نتركك ونهاجر، لكن نعود ونرجع عن قرارنا، فكيف لنا أن نترك المدينة التي لا تنام.. مدينة الحب والفرح.. مدينة الصمود.. مدينة الأمل والحياة؟ وعندها لا يخطر في بالي سوى نزار قباني مجدّداً عندما قال «آه يَا عُشَّاقَ بَيرُوتَ القُدَامَى.. هَل وَجَدتُم بَعدَ بَيرُوتَ البَدِيلاَ؟» ويأتي جوابنا بدون تفكيرٍ مسبق بأننا لو برمنا الكون، لن نجد مثل تراب هذه الأرض.. الأرض التي احتضنت أرواحنا بكل حب وأمان.. هذه الأرض التي لو مهما فرّقتنا الأقدار والسياسات والحروب والمسافات، سنعود إليها في أول فرصة وسنقف في وسط شوارعها الصاخبة وسنغني بأعلى صوت:
«اشتقنالك يا بيروت واشتقنا للسّهر»..».
نظرت إلى الورقة وفكّرت مليًّا في عنوانٍ مناسبٍ لرسالتي، فجاء العنوان:
«امرأة من حديد».
جنى عبد الرحيم