بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 نيسان 2026 12:00ص تحوّل الألم الشخصي والوجداني إلى لوحة تعبيرية قوية

حجم الخط
تعكس لوحة الفنانة خولة الطفيلي ما عاشته  مؤخراً من انفجارات ودمار متكرر، حيث المباني تنهار والطوب يتناثر والشوارع تمتلئ بالركام.  فخولة الطفيلي لم تكتفِ برسم مشهد كارثي مجرد، بل وظفت تجربتها الحسية والمعنوية في المدينة لتترجمها إلى لغة بصرية حية، حيث اللون، الخط، والفرشاة تتحول إلى أدوات تعبير عن الصدمة اليومية. كل زاوية منهارة وكل حجارة متناثرة تنقل شعوراً بالصدمة والفقدان، وكأن بيروت نفسها تتحدث من خلال الريشة.
اللوحة تظهر تأثر الفنانة العميق بالانفجارات الذي هزت الشوارع اللبنانية، وبتداعياته على الحياة اليومية، الذاكرة الجمعية، والهوية الحضرية للمدينة. السيارة المدمرة وسط الركام لا تمثل مجرد عنصر بصري، بل رمز للناس العاديين الذين فقدوا حياتهم اليومية وأمانهم، وللحظة توقف الزمن بعد انفجار مفاجئ أزاح كل شيء عن مساره الطبيعي . إذ يصبح الفن يصبح شاهداً على الواقع، لكنه ليس مجرد توثيق، بل تجربة شعورية ونفسية للفنانة نفسها، التي عاشت تأثيرات الخراب عن قرب. فهل الألوان الداكنة، الموحية بالغبار والدخان، واللمسات البرتقالية والصفراء التي توحي بالنار والانفجار، تعكس الاضطراب الداخلي للفنانة بعد مشاهدة الدمار، حيث تحوّل الألم الشخصي والوجداني إلى لوحة تعبيرية قوية؟ وهل الفن يصبح وسيلة لتفريغ الصدمة، ولإعادة ترتيب الواقع الممزق بطريقة تمنح المتلقي إحساساً باللحظة، وكأن الانهيار ما زال مستمراً؟ .
إن الخطوط المائلة، الفرشاة السريعة، والانحناءات في المباني ليست عشوائية، بل تعكس الفوضى الحقيقية التي عاشتها الشوارع بعد الانفجار والانهيار الجزئي للبنية العمرانية. كل زاوية متكسرة وكل طوبة متفرقة تحمل عبء الذكرى، وكأنها تحكي عن الخسارة الجماعية، وعن ضعف المدن نفسها أمام الأحداث الكبرى. الفنانة لم ترسم المدينة كما هي، بل كما شعرت بها، وهو ما يجعل اللوحة تجربة حسية وليست مجرد تصوير واقعي. ومن منظور فلسفي، اللوحة تعكس  إحساسنا بالضعف والأسى أمام الكوارث، سواء كانت طبيعية، بشرية، أو سياسية. الأحياء التي تحمل ذاكرة غنية وماضٍ مليء بالتجارب، تتحول في اللوحة إلى كائن حي يئن تحت وطأة الأحداث، وكأن كل انهيار فيها هو انهيار للذاكرة الجماعية وللجسد الاجتماعي. هذا يعكس وعي الفنانة بتأثير الكوارث على النفس الفردية والجماعية، وكيف يمكن للدمار المادي أن يفضح هشاشة الروابط الإنسانية والثقافية.
من الجانب النفسي والاجتماعي، غياب البشر في المشهد البصري لا يقلل من تأثير اللوحة، بل يزيده. فحتى في غياب الشخصيات، نشعر بوجودهم من خلال الآثار التي تركوها خلفهم: الركام، الطوب المكسور، والسيارة المحطمة. هذه الغيابية تعكس شعور الفنانة بالعزلة والصدمة بعد مشاهدة المدينة تنهار، وتجعل المشاهد يعيش الإحساس بالاغتراب، وكأن بيروت قد فقدت جزءاً من روحها. الفن هنا يصبح وسيلة للتواصل مع المدينة نفسها ومع الجمهور، من خلال استحضار الألم والخسارة بطريقة بصرية مباشرة.
فهل كل هذه التعبيرية  جاءت من تجربة مباشرة، من مشاهدة الخراب في مناطق دمرتها الحرب، ومن محاولة التعامل مع شعور الغضب، الألم، والخوف. الفرشاة السريعة، الضربات العريضة، وتداخل الألوان، كلها أدوات لجعل الانهيار محسوساً وكأن المتلقي يشارك خولة الطفيلي  شعورها بالدمار. هذا يجعل اللوحة تجربة مشتركة بين الفنانة والمتلقي، حيث يتحول الفن إلى مساحة للتفاعل النفسي والاجتماعي. كما أن اللوحة تطرح سؤالًا حول العلاقة بين الإنسان ومدينته وكيف يمكن للمدينة، بمبانيها وشوارعها، أن تؤثر في الحالة النفسية للفنانة والمجتمع؟ المكان ليس  مجرد شارع امتلأ بالدمار، بل شخصية حية، متحركة، ومؤثرة، كل انهيار فيها يعكس تجربة وجدانية، وكل ركام يحمل تاريخاً وألماً. الفنانة تستخدم الدمار المادي لنقل التجربة الروحية والنفسية، وتحويل الخراب إلى فن يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي للمدينة.
الجانب الجمالي في اللوحة لا يقل أهمية عن رمزية الخراب. الألوان الداكنة والفرشاة التعبيرية والخطوط المائلة تولد إيقاعاً بصرياً يشبه النبض الداخلي للمدينة المنهارة. المتلقي يشعر بالتوتر، بالفوضى، وبالحركة المستمرة، وكأن الانهيار ما زال جارياً أمامه. هذا الإيقاع البصري يعكس الصراع بين الماضي والحاضر، بين الاستقرار والانهيار، وبين الأمل واليأس، وهو ما يميز التعبيرية الفنية عن مجرد التصوير الواقعي. استفزتني هذه اللوحة لأنها  مرآة ما يحدث، بدمارها، بفقدانها، وبصمودها في آن واحد. الفنانة استطاعت أن تحول الألم والصدمة إلى تجربة بصرية معقدة، تنقل الانهيار النفسي والاجتماعي إلى لغة فنية مباشرة، تجعل المشاهد يشعر بالكارثة قبل أن يراها. فاللوحة ليست مجرد تصوير للخراب، بل تجربة شعورية وفلسفية، تعكس ضعف الإنسان في قلب المدينة المنهارة، وتطرح أسئلة عميقة عن العلاقة بين الإنسان والمكان، وعن أثر الكوارث على النفس الفردية والجماعية، وعن قيمة الفن كوسيلة للتواصل مع الواقع والتعبير عنه.فهل حاولت خولة الطفيلي أن نشعر بالانهيار قبل أن نفهمه، وتجعلنا نواجه حقيقة أن المدينة والحياة ليستا أكثر من هبة مؤقتة تتطلب تقديرها وفهمها ؟