(من سوء الحظ ان العرب توقفوا في سيرهم عند إسبانيا وإلّا كانوا وفّروا على أوروبا وشعبها عصور الظلام).
هذا بعض ما قاله المؤرّخ ارنولد توينبي بعد تعمّقه في دراسة الحضارة العربية في الأندلس وما أنتجت على كافة الأصعدة.
لكن الحقيقة ان هذا بعضها، فالحضارة التي نشأت في الأندلس واستمرت لسبعة قرون ومن ثم انهارت بعد تفسّخ داخلي حين قالت والدة آخر ملوك طوائفها له وهو يبكي على متن قارب الرحيل منها الى الشاطئ الآخر: (أبكي اليوم كالنساء ملكاً لم تحمه كالرجال).
هذه الحضارة وما فيها من فكر وأنوار على كافة المستويات لم تذهب هكذا دون تأثيرات تسرّبت وئيداً وئيداً بعد ذلك الى أوروبا وكانت كالخميرة التي أنتجت ما توصلت إليه أوروبا بعد ذلك ومن ثم عبر الأطلسي الى بلاد العم سام.
ذلك غيض من فيض عما يقوله التاريخ عن حضارة أزهرت وازدهرت ثم أَفَلتْ..
هذا ما يقوله التاريخ.. ولكن ما الذي يقوله الواقع اليوم؟!
الواقع العربي صاحب المجيد التليد في إسبانيا وغير إسبانيا وفي أكثر من قارة، حضارات بُنيت وثقافات نَمَتْ وخُلّدت لا تزال معالم وجودها موجودة حتى اليوم في أكثر من مكان من العالم المسكون يتباهون بها دون الكلام عن أصلها ومبدعها.
واقع اليوم.. تفتت وتشرذم، صراعات ذاتية كمن يجلد نفسه في أمكنة كبيرة من عالمنا العربي وشعوب مقهورة يأكلها الخوف والفقر والمرض في حاضر لا يبدو مستقبله أفضل منه..
والأخطر من ذلك هذا التبلّد في المشاعر والأحاسيس على سبيل المثال ما يجري في غزة ستون ألف شهيد ومثلهم من الجرحى وأطفال أيتام جوعى وثكالى تدمين القلب..
مقابل ذلك مظاهرات في أكثر عواصم الدنيا تستنكر وتدين وشعوبنا في صمت قريب من صمت القبور..
لماذا؟!.. أجل لماذا؟!..
لعلّ ارنولد توينبي ينهض من قبره ويأتي ليشرح لنا أسباب ما يجري.