1 آب 2025 12:00ص زياد الرحباني... متمرّد الفن والحقيقة

حجم الخط
في بلادٍ اعتادت على تمجيد الصمت وتقديس الزيف، ظهر رجلٌ يُشبه الحقيقة. لا يشبه أحداً، ولا أحد يشبهه. اسمه زياد، وكنيته العصيان، ومهنته: تعرية هذا العالم المريض... بالموسيقى والمسرح والكلمة. وُلد زياد عاصي الرحباني من رحم المجد الرحباني، لكنه سرعان ما اختار أن يكون من صنّاع الألم الجميل، لا من حراس التراث فقط. لم يُرد أن يكون ابن فيروز فحسب، بل ابن الوجع اللبناني الممتد من «ساحة ساسين» إلى «تل الزعتر»... ومن جدران القلب إلى أرشيف الكرامة.

• البدايات- موهبة بحجم تمرّد:
وُلد زياد الرحباني في العام 1956، وكأن الحرب اللبنانية كانت تنتظره على الباب لتقول له: «اكتبني». منذ نعومة أظافره، كانت النوتة الموسيقية لغته الأولى، والسخرية الحادّة لسانه الثاني. صعد إلى المسرح صغيراً، لكنه لم ينطق بكلمات مكتوبة له، بل كتب لنفسه ولنا جميعاً. في مسرحيته الأولى «سهرية» (1973)، وضع الجمهور أمام مرآة لم يرغب في رؤيتها. ناسٌ يتكلمون عن الحرية، لكنهم في الحقيقة... سجناء أفكارهم.

• الموسيقى كحالة غضب نبيل:
لم يكن زياد مجرد موسيقي. كان فناناً يرى في اللحن فعل مقاومة، وفي الجملة الموسيقية بياناً سياسياً. مزج بين الجاز والمقام العربي، بين «غودفاذر» و«بنت الجيران»، بين البزق والساكسفون، فخلق لغة لا تشبه إلّا صاحبه.
أغنيته «بما إنو» لم تكن مجرد قطعة موسيقية، بل قنبلة نقدية موقوتة. و«شو هالأيام» لم تكن مجرد همسة حزينة، بل نواح جماعي على وطن يحتضر. قال يوماً: «أنا مش موسيقي، أنا رجل زعلان... وبعزف زعلي».

• المسرح حيث الحقيقة تضحك باكية:
كتب زياد الرحباني مسرحياته كأنه يُلقي بياناً ثورياً من شرفة متخيّلة. في «بالنسبة لبكرا شو؟»، جعل من الساخر زكريا أيقونة لجيلٍ تائه يبحث عن عمل، عن معنى، عن وطن. وفي «فيلم أميركي طويل»، وضع الطبقة السياسية اللبنانية على طاولة التشريح، فعرّاها ببراعة الجرّاح وبقسوة العاشق. شخصياته لم تكن خيالية. كانت جاره، عمّه، بائع القهوة، الشاب الذي يقف أمام المصرف ولا يعرف لماذا لا يملكه شيء.

• الوجع الشخصي في مواجهة العلن:
لم يكن زياد نبيًّا. كان بشراً يتعذب مثلنا. مرّ بتجربة طلاق مريرة، تحدث عنها بشجاعة في الإعلام. لم يخفِ شكوكه الدينية، ولا أسئلته الوجودية، ولا خوفه من خيانة نفسه. قال: «اللي بيتجوز الفن، بيطلّق كل شي تاني». ربما لهذا، ظل وحيداً في النهاية... لكنه لم يكن وحيداً في قلوبنا.

• زياد السياسي.. والمتمرّد:
لم يكن زياد يوماً تابعاً لحزب، لكنه كان حزباً وحده. انحاز إلى الناس، لا إلى القيادات. انتقد الجميع، وهاجم الفساد الطائفي، ورفض أن يُصنّف في خانة، حتى لو كانت خانة الملاك. قال ساخراً: «ما في أسوأ من سياسي إلّا متفرّج ما عاد يعصّب».

• علاقته بعاصي وفيروز.. العبء الجميل:
أن يولد المرء في كنف اثنين من أهم رموز الموسيقى اللبنانية، فيروز وعاصي الرحباني، هو نعمة ونقمة. لم يكن زياد نجلاً بالمعنى الكلاسيكي، بل وريثاً شرساً لتاريخ يحاول تجاوزه من دون أن ينكره. كتب عن مرض والده، ولحّن أغنية «سألوني الناس» التي غنّتها والدته بينما كان عاصي يصارع في المستشفى، وكأنها كانت رسالة حب وصمت في آنٍ واحد.
أما علاقته بوالدته، فكانت علاقة ثقة وحنان، لكنه كان يعاني من ألا يُقارن دائماً بقدسية صورتها. لقد قال يوماً: «اللي وِلد من فيروز، ما بيقدر يغني برّا ظلّها... بس بيقدر يصرخ».

• زياد والحرب الأهلية - المرآة التي جرحت الجميع:
لم يكن زياد طرفاً سياسياً تقليدياً في زمن الحرب الأهلية اللبنانية، بل موقفاً أخلاقياً. انتقد الكل: المقاومة حين أخطأت، واليسار حين تنازل، والطوائف حين تحصّنت خلف الخنادق. في «بالنسبة لبكرا شو؟» صار الشاب «زكريا» هو كل شاب لبناني فَقدَ طريقه.

• تأثيره على الأجيال - «القدوة المنبوذة»:
رغم أن المؤسسات الفنية لم تحتضنه، ظل زياد مدرسة قائمة بذاتها. تأثيره على جيل التسعينيات والألفية كان عميقاً. زياد لم يكن «ترنداً»، بل نبضاً دائماً في وجدان الشباب الباحث عن فن يُشبهه. وقد قال مرة: «أنا مش بعلّق صورة برّا الصف... أنا الصف».

• انطفاء تدريجي.. وانسحاب صامت:
في العقدين الأخيرين، خَفتَ بريق زياد العلني، وابتعد عن الإنتاج المنتظم، ولم يكن ذلك لضعف أو يأس، بل لصراع داخلي. رفض عروضاً مغرية للعودة، وأصرّ أن يكون الصوت لا الصدى. لقد قال لصديق مقرّب: «إذا رجعت... لازم شي يرجع معي. لبنان ما عاد معي».

• حين يرحل الحاضر ويقيم الغائب:
رحل زياد جسداً، لكن الحضور الحقيقي لا يسكن الجسد، بل الذاكرة. في كل زاوية من بيروت، صوته لا يزال حيًّا. في المقاهي القديمة، في شوارع الحمرا، في بقايا الحنين الذي نحمله على أرواحنا. قالت أميمة الخليل: «في زمن الانهيار، كان زياد هو ما تبقّى من الهيبة».
أما نحن، جمهور زياد، فنشهد أنه قال ما لم يجرؤ الآخرون على قوله، وأنه لحن ما لم يقدر غيره على سماعه. وإذا كانت الأوطان تُقاس بمثقفيها، فإن زياد كان وطناً بذاته.

• إرث زياد.. جغرافيا الإنسان:
في كل لحن، وكل عبارة، وكل ضحكة مشوبة بحزن، ترك زياد جغرافيا كاملة للإنسان اللبناني والعربي. وحده زياد، من استطاع أن يجعل من «الاعتراض» أغنية، ومن «القلق» قصيدة، ومن «الوجع» نكتة. لذلك، حين نقول زياد، لا نقصد فناناً فقط، بل مرآة صلبة لإنسان لا زال يحلم، رغم كل شيء.