فاروق غانم خداج*
بينَ ذاكرةٍ شخصيّةٍ وشهادةِ عيان
يقدّم كتابُ «كمال جنبلاط: أسرارٌ ومواقف» للصّحافيِّ المخضرمِ الدّكتور عامر مشموشي شهادةً توثيقيّةً تجمع بين الذاكرة الشخصيّة والتحليل السياسي، وتفتح نافذةً على تجربة أحد أبرز رموز الفكر والسياسة في لبنان والعالم العربي، كمال جنبلاط، بوصفه مشروعاً فكرياً وسياسياً يتجاوز اللحظة والحزب إلى سؤال الدولة والمعنى.
صدر الكتاب عام 2019 عن «الدار التقدميّة» في لبنان، في 256 صفحة، وهو ليس سيرة تقليدية ولا مذكرات سياسية، بل نصّ توثيقي يعتمد على المشاهدة المباشرة والاقتراب الشخصي، ويقدّم مادةً تجمع بين الرواية والتحليل، من دون أن ينفصل فيه البُعد الإنساني عن البُعد السياسي.
ومنذ صفحاته الأولى، يضع القارئ أمام تجربة تتجاوز حدود الفرد، لتصبح قراءةً في مرحلة كاملة من تاريخ لبنان، بما فيها من تحوّلات وصراعات وأسئلة لا تزال مفتوحة حتى اليوم حول الدولة والسلطة والمجتمع.
المُعلِّمُ والتلميذ
ينطلق مشموشي من توصيف أساسي لعلاقته بكمال جنبلاط، إذ لم تكن علاقة صحافي بمصدر، بل علاقة أقرب إلى «المعلّم والتلميذ». هذا الإطار لا يأتي بوصفه تعبيراً عاطفياً، بل باعتباره منهجاً في الفهم والمرافقة والتوثيق، حيث تتداخل الملاحظة الشخصية مع القراءة السياسية المباشرة للأحداث.
وقد أتاح هذا القرب، كما ورد في سياق شهادات مرتبطة بالكتاب، الاطّلاع على تفاصيل ومواقف في الحياة السياسية اللبنانية والعربية، لا تظهر عادة في السرديات الرسمية أو الكتب الأكاديمية، بل تبقى ضمن نطاق التجربة المباشرة.
هذا البُعد يمنح النص قيمة إضافية، لكنه في الوقت نفسه يفرض قراءةً نقديةً متوازنة، تميّز بين الشهادة الشخصية والوقائع التاريخية، من دون إلغاء أحد المستويين.
ترميمُ الذاكرةِ السّياسيّة
يقدّم الكتاب قراءة في شخصية كمال جنبلاط بوصفه رجل دولة ومفكراً في آنٍ واحد، انشغل بقضايا الفساد والإصلاح، وربط بين السياسة والأخلاق العامة في سياق لبناني شديد التعقيد.
ويستعيد مشموشي مواقف جنبلاط السياسية، ومنها تحذيراته المبكرة من انهيار البنية السياسية والاجتماعية، في مرحلة شهدت تحوّلات عميقة في مفهوم الدولة ودورها.
كما يتوقف عند اجتماع مفصلي مع الرئيس السوري حافظ الأسد عام 1976، الذي شكّل إحدى اللحظات الحسّاسة في مسار الحرب اللبنانية وتدخّلاتها الإقليمية، وما تبعه من تحوّلات كبرى في بنية الصراع الداخلي.
ولا يقدّم الكاتب هذه الأحداث بوصفها سرداً تاريخياً فقط، بل يحاول وضعها ضمن سياق أوسع لفهم علاقة لبنان بمحيطه وحدود القرار السياسي في لحظات الأزمات الكبرى.
السّياسيُّ الذي حملَ هَمَّ الفكر
يبرز في الكتاب جانب آخر من شخصية كمال جنبلاط، يتجاوز السياسة اليومية إلى البُعد الفكري والفلسفي، حيث يظهر بوصفه صاحب مشروع فكري حاول أن يربط بين السياسة والمعرفة، وبين الدولة والإنسان.
ويشير مشموشي إلى اهتمامه بالقراءات الفكرية والفلسفية، وإلى حضوره في مساحات فكرية تتجاوز العمل الحزبي المباشر، ما يعكس صورة زعيم لا يكتفي بإدارة الشأن العام، بل يحاول إعادة تعريفه.
هذا التداخل بين الفكر والسياسة يمنح الشخصية بُعداً مركباً، ويجعل قراءتها ممكنة من أكثر من زاوية، لا تختزلها في موقع واحد أو تعريف واحد.
الحُلْمُ الشِّهابيّ
في إحدى المحطات المركزية، يتوقف الكتاب عند العلاقة بين كمال جنبلاط والرئيس فؤاد شهاب، حيث يظهر نوع من التقاطع في فكرة الدولة والإصلاح الإداري، رغم اختلاف المسار السياسي بينهما.
هذه العلاقة تعكس، في جوهرها، سؤال الدولة في لبنان: كيف يمكن بناء مؤسسات تتجاوز الطوائف والمصالح الضيقة، وكيف يمكن تحويل الإدارة العامة إلى مشروع وطني فعلي.
وفي هذا السياق، تبرز مقولة متداولة في الندوات المرتبطة بالكتاب حول الحاجة المستمرة إلى رؤية إصلاحية للدولة، وهو ما يعكس استمرار الإشكالية ذاتها حتى اليوم، من دون حلول نهائية.
لماذا نقرأُ هذا الكتابَ اليوم؟
تتجلّى أهمية الكتاب في كونه لا يكتفي باستعادة الماضي، بل يضعه في مواجهة الحاضر، من خلال إعادة طرح أسئلة الدولة والسلطة والفساد في السياق اللبناني الراهن.
فهو لا يقدم كمال جنبلاط كشخصية تاريخية فقط، بل كنموذج لزعامة فكرية وسياسية حاولت أن تربط بين الأخلاق العامة والمشروع السياسي، في مواجهة واقع معقّد ومجزأ.
وفي لحظة لبنانية تتكرر فيها أزمات الدولة، يصبح الكتاب مساحة لإعادة التفكير في معنى الحكم والإصلاح، وفي جدوى المشاريع السياسية الكبرى في بيئة سياسية مأزومة.
شهاداتٌ من الندوة
حظي الكتاب بتفاعل واسع في الأوساط الثقافية والسياسية، حيث رعى رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب تيمور جنبلاط ندوة إطلاقه، بحضور شخصيات سياسية وإعلامية وأكاديمية، من بينهم ناصر زيدان وميشال سليمان ومروان حمادة وبلال عبدلله.
كما قدّم فارس سعيد مداخلة لافتة اعتبر فيها أن الكتاب لا يوثق علاقة شخصية فقط، بل يعكس تجربة جيل كامل مع كمال جنبلاط، جيل ارتبط بفكرة التغيير السياسي والفكري.
وأشاد رئيس تحرير «اللواء» صلاح سلام بجهد الكاتب ومهنيته، معتبراً أن العمل يقدّم صورة دقيقة لشخصية سياسية وفكرية استثنائية، بعيداً عن التبسيط أو الاختزال.
بينَ الشهادةِ والإعجاب
رغم القيمة التوثيقية الواضحة، فإن قرب الكاتب من الشخصية المركزية يمنح النص نبرة وجدانية في بعض المقاطع. غير أن هذا البُعد لا يُضعف العمل، بل يحدد طبيعته كـ«شهادة من الداخل»، تجمع بين الانطباع الشخصي والملاحظة السياسية.
وهذا التوازن بين القرب والقراءة التحليلية هو ما يمنح النص صدقه، ويجعله أقرب إلى الوثيقة الحيّة منه إلى الدراسة الأكاديمية البحتة.
خاتمة
يمثل كتاب «كمال جنبلاط: أسرار ومواقف» إضافة نوعية إلى الكتابة السياسية اللبنانية، لأنه يجمع بين الشهادة الشخصية والتحليل الفكري، ويعيد طرح أسئلة الدولة في سياق لبناني لا يزال مفتوحاً على الأزمات.
وهو في جوهره ليس مجرد قراءة في سيرة زعيم، بل محاولة لفهم مشروع سياسي وفكري لم يكتمل، وظل حاضراً في النقاش العام رغم مرور الزمن.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الكتاب قائماً: كيف يمكن تحويل فكرة الدولة في لبنان من شعار متكرر إلى واقع فعلي قابل للحياة؟
* المصادر:
عامر مشموشي، «كمال جنبلاط: أسرار ومواقف»، الدار التقدميّة، لبنان، 2019.
وقائع ندوة إطلاق الكتاب، بعقلين، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2019.
تغطيات صحافية في صحيفة «اللواء» حول الفعالية والمداخلات السياسية والثقافية.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني