9 أيار 2026 12:00ص المربّي الذي صنع مدرسة... وصنع أجيالاً: مصطفى الزعتري في ذاكرة الوطن والتربية

حجم الخط
يرحل الرجال الكبار، لكن أثرهم يبقى حيّاً في الناس، وفي المؤسسات التي بنوها، وفي الأجيال التي مرّت من بين أيديهم وتعلّمت منهم معنى العلم والأخلاق والانتماء. ومن هؤلاء الكبار الذين تركوا بصمة استثنائية في التربية والتعليم في لبنان، الأستاذ المربي مصطفى الزعتري، المدير السابق لمؤسسة رفيق الحريري، الذي شكّل نموذجاً نادراً للمربّي الصادق والأمين، والإداري الناجح، والإنسان الراقي في أخلاقه وتعاطيه.
كان الأستاذ مصطفى الزعتري ابن صيدا البار، وساكن بيروت وعاشقها، يحمل في شخصيته مزيجاً فريداً من الانتماء الوطني والالتزام التربوي والإنساني. عرفه الجميع بدماثة الخلق، وباحترامه للناس، وبقربه من طلابه وزملائه، فحاز محبة واسعة وتقديراً كبيراً، ليس فقط في الأوساط التربوية، بل في المجتمع اللبناني عموماً.
وقد حظي بمكانة خاصة عند الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي رأى فيه الرجل المناسب لقيادة مؤسسة الحريري التربوية، لما يتمتع به من كفاءة عالية ورؤية تربوية متقدمة ونزاهة في الأداء. فقاد المؤسسة من نجاح إلى نجاح، وأسهم في ترسيخ نموذج تربوي راقٍ ظلّ علامة مضيئة في التعليم اللبناني.
ولم يكن تميّزه محصوراً في مؤسسة الحريري فحسب، بل سبق ذلك مسيرة طويلة ومشرّفة في التعليم الرسمي، حتى أصبحت المدرسة الثانوية الرسمية التي أدارها لسنوات تُعرف باسم «ثانوية الزعتري»، في دلالة واضحة على حجم الأثر الذي تركه فيها. لقد وضع معايير عالية للعلم والانضباط والتميّز، حتى أصبح الانتساب إلى تلك الثانوية مصدر فخر، والتخرج منها شهادة على مستوى تربوي وإنساني مميّز.
لقد افتقدته مدارس الحريري في بيروت، كما افتقدته حارات صيدا التي أحبها وأحبّته، وافتقده كل من عرف فيه الإنسان المتواضع، الهادئ، الصادق في عطائه، والمؤمن بأن التربية رسالة قبل أن تكون وظيفة.
إن سيرة الأستاذ مصطفى الزعتري ستبقى نموذجاً يُحتذى للأجيال المقبلة، في زمن بات الوطن بأمسّ الحاجة فيه إلى رجال من طينته، يحملون القِيَم قبل المناصب، ويصنعون الإنسان قبل الإنجازات.
رحم الله الأستاذ مصطفى الزعتري، وأسكنه فسيح جناته وسيبقى اسمه محفوراً في ذاكرة التربية اللبنانية، وفي قلوب كل من عرفه وأحبّه.

المهندس هشام جارودي