ليست الإدارة العامة في الدول الحديثة مجرد جهاز بيروقراطي لتسيير المعاملات بل هي العمود الفقري للدولة ومختبر السياسات العامة والأداة التي تتحوّل عبرها الأفكار إلى مشاريع تنموية. أما في لبنان فقد تحوّلت الإدارة العامة خلال العقود الأخيرة إلى انعكاس مباشر لأزمة النظام السياسي نفسه حيث طغت المحاصصة والزبائنية والتوازنات السياسية على الكفاءة والخبرة والتخطيط العلمي.
لم تعد المشكلة مجرد خلل إداري يمكن إصلاحه ببعض التعديلات التقنية. لقد أصبحت أزمة بنيوية عميقة تتطلب ما يشبه ثورة حقيقية في الإدارة العامة، ثورة تعيد الاعتبار للكفاءة والعلم والجامعة الوطنية والخبراء الحقيقيين بعد سنوات طويلة من استبدالهم بجيوش من المستشارين السياسيين الذين تحوّل كثير منهم إلى جزء من اقتصاد الزبائنية السياسية.
وصلت الإدارة اللبنانية إلى مستوى من العجز يصعب تجاهله. ففي بلد يمتلك طاقات بشرية وثقافية استثنائية يجد المواطن نفسه عاجزاً عن الحصول على أبسط الخدمات الأساسية من كهرباء، مياه، شبكة نقل حديثة، إدارة فعّالة للنفايات ومتابعة معاملات المواطنين في الإدارات أو بنية تحتية تليق بدولة يفترض أنها كانت يوماً مركزاً ثقافياً واقتصادياً في المنطقة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم كيف وصل لبنان إلى هنا؟
جزء كبير من الجواب يكمن في تغييب رجالات العلم والقيّم عن صناعة القرار. فالجامعات ومراكز البحث العلمي لم تعد المصدر الأساسي للخبرة في السياسات العامة بل حلّت مكانها ظاهرة «المستشارين السياسيين» الذين يعملون ضمن شبكات الولاء الحزبي والطائفي أكثر مما يعملون ضمن معايير الاختصاص والكفاءة. وهكذا تحوّلت وزارات حيوية كالكهرباء والمياه والاتصالات والأشغال إلى ساحات تجاذب سياسي بدل أن تكون مؤسسات تخطيط وتنفيذ. والنتيجة معروفة، مليارات الدولارات أُنفقت على قطاع الكهرباء من دون حل الأزمة وتراجعت البنية التحتية المائية، وغابت مشاريع النقل الحديثة فيما تفاقمت أزمات التخطيط العمراني والبيئي.
في المقابل جرى تهميش الجامعة اللبنانية وهي الجامعة الوطنية التي كان يفترض أن تكون العقل العلمي للدولة. ففي معظم الدول المتقدمة تؤدي الجامعات دوراً محورياً في إعداد الدراسات الاستراتيجية وتقييم السياسات العامة وتدريب الكوادر الإدارية واقتراح الحلول العلمية للمشكلات الوطنية. أما في لبنان فقد أُبعدت الجامعة عن هذا الدور وكأن الدولة لم تعد ترى في البحث العلمي عنصراً أساسياً في بناء المؤسسات.
لكن لبنان لم يكن دائماً على هذه الصورة، ففي منتصف القرن الماضي عرف لبنان نموذجاً مختلفاً في الإدارة العامة نموذجاً يقوم على العلم والرؤية الاستراتيجية والتخطيط طويل المدى. ومن أبرز رموزه أبن بيروت المهندس إبراهيم عبد العال الذي ارتبط اسمه بأحد أهم المشاريع الوطنية في تاريخ لبنان «مشروع نهر الليطاني». حتى قيل يوماً «الليطاني هبة عبد العال وعبد العال هبة لبنان».
لم يكن إبراهيم عبد العال سياسياً ولا زعيماً شعبوياً بل كان رجل دولة بالمعنى التنموي للكلمة، مهندساً آمن بأن التنمية تُبنى بالعلم والتخطيط والعمل الدؤوب. تخصص في الهندسة الهيدروليكية والمجاري المائية وشارك في إعداد الدراسات المائية التي شكّلت أساس التخطيط الوطني في تلك المرحلة. تدرّج في المسؤوليات حتى أصبح رئيس قسم الأبحاث المائية في وزارة الأشغال العامة ثم مديراً عاماً للوزارة ورئيساً لمجلس إدارة مصلحة مياه بيروت، كما انتُخب رئيساً لمؤتمر المهندسين العرب تقديراً لكفاءته العلمية... لكن إنجازه الأكبر بقي مشروع الليطاني.
كان يُنظر الى نهر الليطاني قبل عبد العال كنهر طبيعي تتدفق مياهه نحو البحر من دون استثمار فعلي. أما هو فرأى فيه ثروة استراتيجية قادرة على تغيير وجه الاقتصاد اللبناني. درس إمكانات النهر علمياً وأثبت قدرته على إنتاج الطاقة الكهربائية وتأمين مياه الري وتوفير مياه الشرب ودعم التنمية الاقتصادية في مناطق واسعة من لبنان. ولم يتعامل مع المشروع كفكرة نظرية بل عمل على تطوير الدراسات التقنية اللازمة لتنفيذه وساهم في ابتكار أدوات لرصد المياه ساعدت لاحقاً في الدراسات الهيدرولوجية لذلك لُقّب بـ «أبو الليطاني».
لم يكن الجانب الهندسي هو ما ميّز فكر عبد العال بل فلسفته في التخطيط الوطني. كان يؤمن بأن أكبر خطأ في إدارة الموارد هو اعتماد المشاريع المجتزأة ولذلك دعا إلى مشاريع متكاملة تربط بين الطاقة والزراعة والاقتصاد والبيئة والتنمية المناطقية. كما شدّد على ضرورة تحقيق تنمية متوازنة بين الساحل والأطراف لأن الدولة لا يمكن أن تستقر إذا بقيت مناطق كاملة تعيش على هامش التنمية. واختصر رؤيته بعبارة شديدة الدلالة «لن يكون لبنان في مستوى الأوطان المتقدمة إلّا إذا كان أبناؤه في مستوى أبناء تلك الأوطان».
تكشف تجربة عبد العال أن أزمة لبنان ليست أزمة نقص في الموارد أو الكفاءات بل أزمة دولة فقدت مفاهيمها وعلاقتها بالعلم وأصحابه. فلبنان يمتلك آلاف الباحثين والمهندسين والأطباء والخبراء المنتشرين في أفضل جامعات العالم وشركاته لكنه عاجز عن الاستفادة من هذه الثروة الفكرية الهائلة. وهكذا تحوّل البلد إلى مصدر للهجرة العلمية فيما تُدار مؤسساته بعقلية المحاصصة والزبائنية! ومن هنا فإن أي إصلاحا حقيقيا للإدارة العامة يجب أن يبدأ بإعادة الاعتبار للجامعة اللبنانية ولمراكز البحث العلمي باعتبارها شريكاً أساسياً في صناعة السياسات العامة لا مجرد مؤسسات تعليمية معزولة ولفلسفة وأخلاقيّة بناء الدولة. وهذا ما أدركه الرئيس فؤاد شهاب عندما أطلق مشروع بناء الدولة الحديثة في لبنان وربط بين الإدارة العامة والمؤسسات العلمية، وأنشأ معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية بهدف وصل البحث العلمي بصناعة القرار.
في النهاية ليست ثروة لبنان الأساسية في موارده الطبيعية بل في طاقاته البشرية. فالشباب اللبناني الذي يبدع في الجامعات العالمية ويقود شركات التكنولوجيا والبحث العلمي في أوروبا والخليج وأميركا، يثبت يومياً أن المشكلة ليست في الإنسان اللبناني بل في دولة لم تتعلم بعد كيف تستثمر في أبنائها.
لهذا فإن الثورة الحقيقية التي يحتاجها لبنان اليوم ليست ثورة شعارات بل ثورة مؤسساتية تعيد الاعتبار للكفاءة والعلم والجامعة والبحث العلمي، وتعيد بناء الإدارة العامة على نموذج الدولة التي يمثلها إبراهيم عبد العال، دولة يقودها الخبراء وتُبنى فيها المشاريع على رؤية وطنية طويلة المدى لا على حسابات الزبائنية والمصالح الآنية.
إن استعادة هذا النموذج وفلسفة أبن البسطة التحتا في قيامة لبنان ليست حنيناً إلى الماضي بل ضرورة وطنية لدولة تواجه خطر التفكك والانهيار. فلبنان الذي أنجب إبراهيم عبد العال ما زال قادراً على النهوض شرط أن يعود العلم وأصحابه وأصحاب القيم الجامعة إلى موقعهم الطبيعي في التخطيط وإدارة الدولة وأن تدرك الطبقة السياسية أن مستقبل الأوطان لا يُبنى بالمحاصصة أو بالإمتيازات بل بالعقول التي تؤمن بأن الوطن مشروع حضاري لا غنيمة سياسية.