محمود تقي الدين 1867 - 1944.. الإداري والسياسي
حجم الخط
كان قطباً من أقطاب السياسة، ورجلاً من رجالات لبنان الكبار، واميناً باراً من أبنائه الميامين، صاحب الهمة والفضل والشهامة والمروءة والوفاء المغفور له الشيخ محمود تقي الدين (1867 - 1944)، تقلد مناصب إدارية بعد حياة طويلة أمضى معظمها في خدمة بلاده خدمة جلى على عهد لبنان القديم وفي حكومة لبنان بعد الحرب، وترك اثراً طيبً محموداً في فروع الإدارة التي خدم فيها وترك أثراً بالغاً وسيرة طيبة وذكراً محموداً.
وكان رحمه الله أديباً كبيراً وخطيباً مفوهاً، شأن هذا البيت العريق الذي أنجب اولاداً نُجباء أذكياء كانت لهم مكانة عالية نذكر منهم: سعيد تقي الدين وبهيج تقي الدين وخليل تقي الدين ومنير تقي الدين وبديع تقي الدين ونديم تقي الدين.
إذ كانوا معروفين بمكانتهم الأدبية والسياسية والاجتماعية والعلمية والعسكرية. وهنا، يضيق بنا المجال عن تعريفهم وعن ذكر صفاتهم ومميزاتهم ومكانتهم.
ولادته وعلومه:
هو محمود بن سعيد بن محمود بن حسين تقي الدين. ولد في «بعقلين» في 5 آب سنة 1867م. وتعلم في مدرسة الحكومة على عهد رستم باشا العثماني، وانتقل من ثم إلى المدرسة الداودية في «عبيه» ودخل مدرسة «عينطورة» في سنة 1880 م.
وبقي فيها أربع سنوات، ودرس العربية على يد الشيخ أحمد عباس الازهري في بيروت، ومبادئ اللغة على يد الشيخ محيي الدين اليافي.
المناصب التي تقلب فيها:
عُين كاتباً رسمياً في سنة 1885م في عهد المتصرف واصا باشا، إذ لازم قلم المخابرات الأجنبية في بعبدا.
عُين مدير مال قضاء الشوف في سنة 1890م. وبقي فيها مُـدّة خمس سنوات إلا أنه صدر أمر بعزله وعُزل أيضاً الأمير مالك شهاب والقاضي والشاعر تامر الملاط وخليل الخوري بحجة أنهم يراسلون جريدة «صدى الشرق» في مصر التي كانت تنشر فضائح ومفاسد المتصرف واصا باشا، ثم أُعيد إلى الوظيفة في عهد نعوم باشا، عُين مترجماً لقلم الترجمة باللغتين العربية والفرنسية، عُين رئيس كتاب تحريرات الشوف في سنة 1895م. عُين في عهد مظفر باشا وكيل مدير ناحية الشوف (قديماً الشوف وعاليه)، ثم أُعيد في سنة 1906 مديراً لمالية الشوف، عُين كاتباً ثانياً بعد ثلاث سنوات في مجلس إدارة جبل لبنان من سنة 1910 إلى ان وقعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914، وفي عهد اوهانس باشا عُين رئيس ديوان المجلس المذكور وكان برئاسة حبيب باشا السعد، ونفي إلى القدس مع القافلة الثانية من المنفيين، وعُفي عنه بعد شهر وأُعيد إلى وظيفته في مالية الشوف. وشغل وظيفة كتاب مجلس إدارة جبل لبنان، فقبض عليه في شهر نيسان سنة 1916. بعد أن حكم على اخيه الدكتور رشيد تقي الدين غيابياً بالاعدام وعلى شقيقه أمين أيضاً، وسيق إلى «عاليه» مع قافلة من الوطنيين امثال: توفيق وفؤاد أرسلان ومصطفى العماد وحبيب باشا السعد وغيرهم.
حيث أرسلوا إلى حلب. وبعد سنتين وأربعة أشهر من النفي والتعذيب عُفي عنه بوساطة أمير البيان الأمير شكيب أرسلان، وعاد إلى وطنه في 21 تموز سنة 1918، بعد أن كان قد رفض جمال باشا بكثير من القسوة، أعادته إلى لبنان ليعالج من مرض أصابه.
زار الجنرال غورو بيت الدين في أوائل سنة 1920.
وقد تكلم باسم الجمهور المحتشد فكان محمود بك أحد المتكلمين باسم الشعب.
عُين مفتشاً للمدارس السنية في جبل لبنان في حزيران سنة 1920، ثم أُلغيت هذه الوظيفة فلزم منزله واستدعاه الجنرال غورو من بيته ومنحه وسام المعارف من درجة فارس وعينه في 26 تموز سنة 1920 مفتشاً للأمور الإدارية في دولة لبنان الكبير، فزاول وظيفته نحو عشرة أشهر. وفي أول تموز سنة 1922 أُلغيت هذه الوظيفة، لكنه عين في 26 من شهر آب سنة 1922 قائمقاماً على قضاء بعلبك، وعين ناظراً للمعارف من سنة 1923 إلى سنة 1929. وفي هذه السنة الأخيرة عُزل من الوظيفة، لكن أُعيد تعيينه محافظاً لقضاء زحلة، ثم نقل إلى كسروان، ثم أعيد قائمقاماً للشوف، ثم إلى بعبدا، وأخيراً نُقل إلى صيدا، وأحيل إلى التقاعد في سنة 1936.
وفاته:
وتوفي محمود بك تقي الدين في 23 كانون الثاني سنة 1944 (77 سنة) معتزاً كل الاعتزاز بخلفه الصالح:
هم أبناؤه البررة الصالحون، وأصحاب الكفاءات المميزة، وكان كل منهم معروف ومشهور بعصاميته وجدارته وعلمه وأدبه ووطنيته، والمناصب الرفيعة التي تبوأوها.
نُقل جثمانه من بيروت إلى مسقط رأسه في «بعقلين» حيث احتشد المواطنون والوفود من جميع المناطق اللبنانية، جرى له مأتم حافل يليق بمكانته وبأسرته الكريمة، حيث كان وزير الدفاع الوطني ووزير الزراعة والصحة الأمير مجيد أرسلان، ووزير الداخلية كميل نمر شمعون يمثلان رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس الحكومة اللبنانية، ولفيف كبير من كبار الموظفين والوجهاء والاعيان ورجال الأدب والشعر، وممثلو قرى وبلدات الشوف وعاليه وحاصبيا.
وتبارى الخطباء والشعراء والاعيان في تأبينه وتعداد محاسنه وصفاته وتبيان اخلاقه ومآثره. ووري الثرى مودعاً من الأهالي بالدموع الحارة من جميع معارفه واهله واقربائه.
نجيب البعيني






