بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

10 كانون الثاني 2026 12:00ص نبوءات معلَّبة!

حجم الخط
في الزمن البعيد، حين لم تكن الخرائط واضحة ولا السماء صامتة، كان للمنجّمين سلطان لا يُرى، لكنه يُحكم قبضته على العقول كما تُحكم الأبواب الثقيلة. كانوا يجلسون عند تخوم المدن، يحدّقون في النجوم، ويقرأون حركة الكواكب كما لو كانت رسائل سرية موجهة إلى البشر وحدهم. لم يكن الناس يسألونهم بدافع الفضول فقط، بل بدافع الخوف: خوف من الغد، ومن الحرب، ومن الجوع، ومن المجهول.
ومع مرور القرون، تغيّر الزمن وبقي المنجّم. انتقل من الكهوف والمعابد إلى الشاشات المضيئة، وصار ضيفاً دائماً مع مطلع كل عام، لا سيما في لبنان، حيث يتشابك القلق مع الأمل. يجلس المنجّم أمام الكاميرا بثقة العارف، يتحدث عن زلازل سياسية، وانفراجات مالية، وأحداث «غير متوقعة». ينصت الناس، بعضهم بسخرية، وبعضهم بإيمان كامل، وكأن الكلمات تعويذة تحميهم من الآتي.
وفي كل موسم أعياد، كانت الشاشات تمتلئ بوجوههم، وكأن ظهورهم طقس ثابت لا يكتمل العام من دونه. يتجادل الناس حولهم، بين من يحلف بدقّة توقعاتهم ومن يتهمهم بتضليل متعمّد، لكن الجميع، من دون استثناء، كان يشاهد. فحتى الرافض، كان يخشى أن يفوته تحذير ما، أو نبوءة قد تمسّه شخصياً.
الغريب أن بعض التوقعات كانت تتحقق. حرب تقع، حكومة تسقط، شخصية ترحل. هنا يبدأ الهمس: «ليسوا منجّمين، بل ناقلين». يتهمهم كثيرون بأنهم يعملون في الخفاء، لدى أجهزة مخابرات تعرف ما لا يُقال، وتسرّب لهم المعلومات ليقدّموها على هيئة نبوءات. 
لكن، سواء صدقوا أم كذبوا، بقيت سطوتهم قائمة. لأن الإنسان، في كل الأزمنة، يحتاج من يخبره أن الغد مفهوم، حتى لو كان وهماً. وفي بلد اعتاد انتظار المفاجآت، صار المنجّم مرآة للخوف الجماعي، لا صانعاً له، يقرأ ما في السماء، أو ما في العيون.
أخبار ذات صلة