بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 كانون الأول 2025 11:14م بعد رحيل زائر السلام… لبنان يخلع أقنعة الطمأنينة و3 سيناريوهات خطِرة تنتظره!

حجم الخط

أما وقد أُسدل الستار على المسرحية الوطنية الكبرى التي استمر عرضها لثلاثة ايام، سيخلع اللبنانيون الآن أقنعة المحبة التي ارتدوها خصيصاً على شرف الزائر الأبيض، ويعود كلٌّ إلى مخزونه الطبيعي من الضغينة. فـلبنان لا يعيش وحدة وطنية بل هدنة تجميلية مجّانية تُفعَّل فقط عند وجود الضيوف.

ولعلّ أجمل تجلّيات هذه الحقيقة ما انفجر على شكل معركة فقهية جمالية حول زينة الميلاد في وسط بيروت. زينة مستوحاة بوضوح من فنّ الـLuminarie الإيطالي، ذاك الإرث الباروكي الذي أراد قديماً إغراء السماء بالنزول إلى الأرض عبر أقواس من ضوء مسرف.

لكن اللبنانيين كعادتهم أنعموا النظر فيها فرأى كل فريق ما يزعجه بعضهم رأى فيها "رمضانيات"، وآخرون رأوا تهديداً سريانياً، فيما الحقيقة بسيطة سوء قراءة بصرية عند عين مترنّحة دينياً، ترى خطراً حتى في سلك كهربائي ملوّن.

طوال الثلاثة ايام، لم يظهر للضيف الكريم شيء من الحقيقة لا العدوان الصهيوني المستمر، ولا ركام الجنوب والضاحية، ولا آلاف الشهداء الذين طُمست ذكراهم، ولا الانهيار الاقتصادي الذي يبتلع الناس كما تبتلع الحفرة سيارة مسافرة.

كلّ ذلك استُبدل بـ كهرباء 24/24، أمن مستتب، وديكور سيادي من ماركات أوروبية، لبنان يعرف تماماً كيف يلمّع نفسه شرط أن يكون الجمهور أجنبياً.

وحدة وطنية بنكهة مسرحية

المشهد اللبناني لم يكن مجرد احتفال بروتوكولي، بل منافسة بين أحزاب وطوائف على من يظهر أكثر حباً، أكثر انفتاحاً، وأكثر استعداداً لمنح الضيف قبلة سلام أمام الكاميرا.

وحدة وطنيةLimited Edition تُصنع حصرياً أثناء الزيارات الدولية، وتنتهي صلاحيتها فور إقلاع الطائرة.

أما الإعلام، فبراعته في "التزليف الاحترافي" فاقت التوقعات، نشرات أخبار مزوّقة بأكاليل سلام، تقارير عن لحظة وطنية جامعة، ومشاهد لبنانيين يتبادلون الغبط، كأنهم لا يتصارعون غداً على أبسط شيء.

فخامة الرئيس دخل بدوره إلى السوق المفتوح للكلام الروحي، متحدثاً عن الديانات الإبراهيمية وتاريخ التآخي، حديث "من القلب" لم يقترب لا من اتفاقيات إبراهيم، ولا من واقع بلد ينهشه الانهيار، لكنه بدا ملائماً تماماً للمشهد روحانيات عالية فوق أرض محروقة.

ثم جاء البابا، واختتم الحفلة بالسلام يتحقق بالعدالة، عبارة أنيقة تصلح لإعلان شركة تأمين.

لكن الإشكال وقع عند عبارته التالية "العدالة تتحقق بالتسامح"، وهنا دخلنا في المنطقة الرمادية، تسامح؟ مع من؟ مع الاحتلال؟ مع المعتدي؟ مع الناهب؟ مع من أدار ظهره لشعب بأكمله؟

التسامح جميل لكن حين يصبح بديلاً عن المحاسبة، يتحول إلى ترف أخلاقي يموّه الجرائم بدل فضحها.

وبين السطور، جرى تداول تصريحات عن "تشجيع الأطراف اللبنانية على ترك السلاح والحوار"، جمل كثيرة قيلت، لكنها بدت كأنها تنتمي إلى بلد آخر لا يتحرك فوقه كل يوم طيران معاد، ولا يعيش في محيط مشتعل.

في زمن العدوان والتهجير والقتل، يصبح كلام "جسور اللقاء" أقرب إلى مزحة ثقيلة يتبادلها فقط الذين يعيشون في "لبنان الفندق"، حيث الكوارث تُخزَّن في غرفة مجاورة، والذكريات قصيرة، والأقنعة كثيرة، وتُقدَّم الحقيقة للضيوف على طبق ملوّن بينما تُقدَّم للناس في بيوتهم على شكل دمار، فقر، وانقطاع أمل.

وما إن أقلعت طائرة البابا من مطار بيروت، ولم يكد صدى التراتيل يخفت، حتى عادت المسيّرات الإسرائيلية لتتجوّل فوق رؤوس اللبنانيين بوقاحة نزيل يمتلك غرفة في الطابق الأخير من "لبنان الفندق"، جارحة هدوءَ اللحظة التي حاولت السلطة تجميلها بالموسيقى والتسابيح. فالمشهد في هذا البلد لا يتأثر بنوتات موسيقية، بل بإيقاع آخر، إيقاع الصواريخ، وبروفات العدوان، ودروس يومية في انتهاك السيادة.

بين السُّمّ الداخلي والموت الخارجي

وبين ناشري السمِّ الداخليين وناشري الموت الخارجيين، تتضاعف المهمة صعوبة، إذ يصرّ أعداء الإنسانية والرسالات السماوية، على اختلاف فصائلهم وولاءاتهم، على إفشال أي محاولة لترميم ما تبقى من جلد هذا البلد. فما إن ارتفعت طائرة البابا مودعة، حتى هبطت نذيرة الشؤم الأميركية مورغان أورتيغوس، كأنها استكمال ضروري لعقيدة "الفندق" نودّع ضيفاً بالكاميرات ونستقبل آخر بالتهديدات.

ولأن البروتوكول يقتضي المرور بتل أبيب قبل أي زيارة إلى بيروت، فقد عرّجت السيدة على الاحتلال تيمناً بتقليد متجدِّد، محمّلة حقيبتها بتصريحات التهويل التي يغذيها المسؤولون الصهاينة، هؤلاء الذين لا يجدون حرجاً في تلاوة نبوءاتهم اليومية عن استباحة المنطقة، وكأنهم يعلنون نشرة الطقس "غارات متوقعة على غزة، رياح ساخنة فوق سوريا، واحتمال عاصفة فوق لبنان".

ولأن "لبنان الفندق" يعيش دائماً على إيقاع عروض غير مدرجة في برنامج الحفلات الرسمية، فقد تكرّم علينا المشهد بثلاثة احتمالات، تُقدَّم على شكل "قائمة طعام سياسي" يختار منها صُنّاع القرار ما يشتهون بينما ينتظر اللبنانيون الفاتورة.

الاحتمال الأول: حرب شاملة

طبق حار، يتخيله الإسرائيليون كحرب لا تتوقف قبل نزع كامل سلاح حزب الله. التصريحات اليومية والتهويل المستمر يضيفان البهارات. آخر الوصفات كان فيديو أفيخاي أدرعي الذي قدّم رواية جديدة حول اغتيال أربعة لبنانيين مرتبطين بمرفأ بيروت، لأن كل مأساة في هذا البلد يجب أن تُطبخ على طريقة المسلسلات البوليسية.

الاحتمال الثاني: تهويل بلا حدود حتى الخضوع

نار بطيئة تزيد سخونتها تدريجياً على أمل أن يقبل حزب الله وإيران بمفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، أو توسيع "الميكانيزم" الذي تنعقد اجتماعاته غداً بحضور أورتيغوس. اسم أكاديمي لبناني عاد إلى التداول لتمثيل الدولة كأن المفاوضات تحتاج إلى "شيف" جديد لإعداد الطبق.

الاحتمال الثالث: استمرار المراوحة إلى أجل غير منظور

طبق بارد لا يشبع، فالاحتلال باق، الاستهدافات مستمرة، ومحاولات تغيير المشهد السياسي تُعدّ على نار الانتخابات المقبلة.

وهكذا، يعود لبنان اليوم إلى إيقاعه الأصلي، بلد يتجمّل عند الضرورة، يتناحر عند الفراغ، ويتصرف دائماً كمن يعيش بين فصلين من مسرحية طويلة لا يعرف أحد متى تنتهي، يغادر الضيوف، تنطفئ الأضواء، تُسحب السجادة الحمراء ويبقى اللبناني وحيداً مع المرآة التي يكره النظر إليها.

حتى ذلك الحين، سيبقى البلد معلّقاً بين سماء تُحلّق فوقها المسيّرات، وأرض لا تزال تبحث عمّن يهبط إليها بلا أقنعة، وبلا استعداد للهروب عند أول صافرة إنذار.