وسط مرحلة حسّاسة ومفصلية في تاريخ لبنان، عُقدت المفاوضات المباشرة بينه وبين وإسرائيل، وذلك في أول تواصل رفيع المستوى واسع النطاق بين حكومتي البلدين منذ عام 1993. وبحسب البيان الصادر عقب الاجتماع، بحث المشاركون بصورة بنّاءة سبل إطلاق مفاوضات مباشرة بين الجانبين، في خطوة اعتُبرت تطوراً سياسياً مهماً برعاية الولايات المتحدة.
واللافت أنّ هذه المحادثات عُقدت على وقع استمرار الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، والمتواصلة منذ أكثر من شهر ونصف، والتي خلّفت خسائر بشرية ومادية كبيرة طالت بيروت ومناطق لبنانية متعددة، وأعادت طرح تساؤلات حول الاستقرار وحدود التصعيد في المنطقة.
فالمفاوضات التي عقدت بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي لا يمكن فصلها عن السياق التاريخي للعلاقة بينهما ، والتي لم تصل يوماً إلى معاهدة سلام بل الى ترتيبات أمنية ووقف أعمال عدائية ومحطات تفاوض متقطعة.
فمنذ اتفاقية الهدنة عام 1949، مروراً باتفاق 17 أيار 1983، وصولاً إلى الخط الأزرق عام 2000، ظلّ مسار العلاقة بين لبنان وإسرائيل محكوماً بإدارة النزاع لا إنهائه. ومع اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022 وتفاهم وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024، ترسّخ التفاوض كأداة أساسية تعتمدها الدولة اللبنانية لحماية مصالحها وربط التصعيد بالأطر الدولية، لا سيما القرار 1701.
وفي هذا السياق، تأتي مفاوضات واشنطن وذلك في محاولة لاحتواء التصعيد العسكري وفتح مسار سياسي لوقف إطلاق النار.
مصادر دبلوماسية اعتبرت عبر «اللواء» ان مفاوضات واشنطن أرست خطوة أولية باتجاه المزيد من الحوار، وهي تكتسب أيضا أهمية إضافية في هذه المرحلة تحديداً، كونها تُطرح كمدخل لفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، بعد أن تمسّك لبنان بموقفه الرافض لأن تتولى إيران التفاوض باسمه الدولة أو أن تُدار مصالحه عبر قنوات غير لبنانية.
وأشارت المصادر الى ان هذا المسار يؤكد محاولة لإعادة تكريس استقلال القرار التفاوضي اللبناني، وحصره بالمؤسسات الدستورية الرسمية، بما يمنع تحويل الساحة اللبنانية إلى ساحة تفاوض بالوكالة.
وأبدت المصادر استيائها لتصاعد خطاب التخوين الموجّه إلى رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام في هذه المرحلة على الرغم من أن الحكومة التي يرأسها تضمّ وزراء يمثلون مختلف القوى السياسية، بما فيها الثنائي الشيعي وهو ما يجعل القرارات الحكومية، خصوصاً في الملفات الحسّاسة، نتاج توازن وطني داخلي وليس خياراً فردياً أو معزولاً، بما فيها مبادرة فتح مسار التفاوض، وهي ليست قراراً حكومياً منفرداً، بل تأتي في إطار حراك رسمي أوسع، أطلقه رئيس الجمهورية جوزاف عون حسب المصادر، وهو ما يؤكد وجود غطاء مؤسساتي لهذا التوجه.
وتشير أيضاً الى موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي لم يسجّل اعتراضاً على أصل فكرة التفاوض، وهو ما يعزز الطابع التوافقي غير المعلن لهذا المسار.
المصادر أشارت أيضا إلى انه لا يمكن إغفال أن الحكومة اللبنانية الحالية اتخذت قرارات مهمة في ملفات مرتبطة مباشرة بـ«حزب الله» وبالوضع الأمني، وذلك بوجود وزراء الثنائي داخل مجلس الوزراء، ما ينفي عملياً فكرة تحميل رئيس الحكومة وحده مسؤولية خيارات وطنية تتخذ ضمن آلية دستورية جماعية.
من ناحية ثانية وبينما تعتبر بعض أوساط الثنائي الشيعي لا سيما «حزب الله» أن أي انخراطا في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة هو مسار غير دستوري.
لفت الوزير السابق رشيد درباس في حديث خاص لـ«اللواء» أنه لا توجد أي مادة في الدستور اللبناني تسمح لأي طرف، بما في ذلك «حزب الله» بشن حرب أو إنشاء قوة عسكرية خارج إطار الدولة أو تعطيل مؤسساتها، معتبراً أن من يخرق هذه القواعد لا يحق له لاحقاً التذرّع بالدستور لتخوين الآخرين أو تعطيل المسارات السياسية للدولة.
كما يشير درباس إلى أن التفاوض بحد ذاته ليس خروجاً عن الدستور، بل هو جزء من ممارسة الدولة لسيادتها، خاصة أن أي اتفاقا دوليا يمرّ حكماً عبر الحكومة ثم مجلس النواب. ويذكّر بأن لبنان سبق أن خاض مسارات تفاوضية غير مباشرة ومباشرة برعاية دولية، سواء في الهدنة أو الترسيم أو ترتيبات وقف الأعمال العدائية، ما يجعل الاعتراض على المبدأ بحد ذاته غير منسجم مع التجربة اللبنانية التاريخية.
ولكن رغم الانقسام السياسي الحاصل، فإنه لا بد من الإشارة ان رئيس مجلس الوزراء نواف سلام يقوم بدور ميداني وسياسي لافت، إذ زار الجنوب اللبناني مرتين منذ توليه منصبه، وذلك في خطوة تعكس حضوره المباشر، واهتمامه بمتابعة أوضاع الجنوب ومطالب أهله والسعي لإعادة الإعمار وذلك قبل بدء الحرب الأخيرة، إضافة الى إشرافه المباشر منذ اندلاع المواجهات على تأمين احتياجات النازحين قدر الإمكان في ظل استمرار الحرب.
من هنا، فإنه من غير المقبول اطلاق تهم التخوين بحق الرئيس سلام، خصوصا انه يعيد الى الذاكرة نمطاً متكرراً من الاستهداف السياسي لهذا الموقع منذ عقود، وذلك في سياق سياسي مرتبط باعتبار أن الطائفة السنية لا تملك ميليشيا.
في الخلاصة، تبدو ان المفاوضات التي انطلقت في الولايات المتحدة أكثر من مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل محاولة جدّية لاحتواء الحرب المفتوحة ومنع انزلاق لبنان إلى مزيد من الانهيار. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الضروري مقاربة المسار التفاوضي بعقلانية سياسية، بعيداً عن التخوين أو التوظيف الداخلي، وبما يحفظ مؤسسات الدولة ودورها في هذه المرحلة الخطيرة.