من إعلام العدو: إسرائيل تحوَّلت في أميركا إلى عبء على الحزبين: الجمهوريون يتهمون نتنياهو بتوريط أميركا في إيران (٢/٢)
يوسي شاين
التحدي الآتي من اليمين
لكن الخطر الأكبر هو أن التحولات التي شهدها الحزب الديمقراطي باتت تتكرر داخل الحزب الجمهوري أيضاً، وبوتيرة متسارعة؛ فمنذ انتخاب دونالد ترامب رئيساً للمرة الأولى ودخوله البيت الأبيض في كانون الثاني/ يناير 2017، أخذت البنية التنظيمية التقليدية للحزب الجمهوري تضعف بالتدريج. واليوم، تشهد منصات التواصل الاجتماعي حملات يقودها ناشطون من اليمين ضد الرئيس وضد المؤسسة الجمهورية، يجري خلالها وصف إسرائيل «بالعدو الأكبر»، ويُتهم بنيامين نتنياهو بأنه جعل ترامب «رهينة» لسياساته.
ومن المهم التذكير بأن ترامب هزم في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في سنة 2016 جميع المرشحين التقليديين، مثل ميت رومني وجيب بوش وماركو روبيو. وبمرور الوقت، ورثت حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً»(MAGA)، البنية الحزبية القديمة، وأصبح الحزب الجديد قائماً، إلى حدّ كبير، على شخصية ترامب وجاذبيته السياسية.
في البداية، قدّم ترامب نفسه أنه أبرز داعم لإسرائيل في مواجهة التيار الليبرالي. وفي تلك المرحلة، تخلى نتنياهو عن سياسة الحفاظ على علاقات متوازنة مع الحزبين الأميركيين، واختار الوقوف إلى جانب الجمهوريين. وأصبح ترامب، الذي وصفته أوساط اليمين الإسرائيلي بأنه «قورش الجديد»، أو «رسول إلهي»، صاحب سلسلة من القرارات التي اعتُبرت إنجازات تاريخية لإسرائيل، من بينها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، فضلاً عن توثيق تحالفه مع الإنجيليين المؤيدين لإسرائيل داخل حركة MAGA.
غير أن الحزب الجمهوري ضمّ، إلى جانب مؤيدي ترامب، تياراً يمينياً راديكالياً يُعرف بـ«ما بعد الليبرالية»، شكّل أساساً في مواجهة التيار المحافظ الجديد (المحافظون الجدد)، الذين كانوا من أبرز حلفاء إسرائيل خلال عهد الرئيس جورج بوش الابن، والذين يتهمهم هذا التيار بأنهم دفعوا الولايات المتحدة إلى حرب العراق بما يتعارض مع مصالحها الوطنية.
لاقت أفكار تيار «ما بعد الليبرالية» صدى لافتاً في إسرائيل، ولا سيما لدى مؤيدي مشروع «الإصلاح القضائي»؛ فرأى عدد من المثقفين وأنصار نتنياهو في القومية الدينية بديلاً أفضل من الصهيونية الليبرالية ذات الطابع المؤسساتي. وبعد هجوم السابع من أكتوبر، كرّس هؤلاء، خطاباً يحمّل اليسار مسؤولية الكارثة، إلى جانب ما يسمونه «حكم القضاء» و»الدولة العميقة».
ويتحدث هذا اليمين المناهض لليبرالية باسم «الديمقراطية الحقيقية القائمة على حكم الأغلبية»، باعتبارها الأساس الذي يبرر إعفاء نتنياهو وحكومته من المسؤولية السياسية. هذا الفكر المناهض للمؤسسات ينسجم مع مواقف شخصيات، مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وأرييه درعي، والأحزاب الحريدية، وكذلك مع رؤية بعض أنصار نتنياهو الذين اعتبروا رئيس الحكومة المجري فيكتور أوربان نموذجاً يُحتذى به.
ازداد نفوذ القوى المحافِظة المنتمية إلى تيار «ما بعد الليبرالية» في الولايات المتحدة، بعد عودة ترامب إلى الرئاسة، فمع دخوله البيت الأبيض للمرة الثانية في كانون الثاني/يناير 2025، استعادت حركة MAGA زخمها في مواجهة التيار المحافظ الجديد داخل الحزب الجمهوري.
وطوال الفترة التي حقق فيها ترامب سلسلة من النجاحات خلال ولايته الثانية، مثل تشديد سياسات الهجرة، وزيادة مساهمة الدول الأوروبية في تمويل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ورفع الرسوم الجمركية، وحتى التدخل العسكري السريع في فنزويلا، ظل التوازن قائماً بين شعار «أميركا أولاً» وبين الفكرة التقليدية التي ترى أن للولايات المتحدة رسالة عالمية.
يقود نائب الرئيس جي دي فانس داخل البيت الأبيض التيار الفكري لحركة MAGA، وهو يشدد على أن الولايات المتحدة، هي قبل كل شيء، أمة ذات هوية أخلاقية مسيحية، وليست مجرد تجسيد للرؤية الليبرالية العالمية القائمة على الحرية الدستورية، والتي يدافع عنها وزير الخارجية المنتمي إلى التيار المحافظ الجديد ماركو روبيو.
إن الرئيس ترامب نفسه بعيد عن الالتزام بالأيديولوجيات، وهو يعتمد في قراراته على حدسه السياسي ورغبته في تحقيق النجاح؛ لكن الحزب الجمهوري يشهد انقساماً كبيراً. فإذا حققت السياسة الأميركية تجاه إيران نتائج تُعَد ناجحة، فستحظى إسرائيل باستمرار الدعم؛ أمّا إذا ساد شعور بالإخفاق، أو بالاستنزاف، فيمكن أن تُحمَّل إسرائيل واليهود مسؤولية انحراف الولايات المتحدة عن مسارها.
ومع ذلك، وعلى الرغم من وفاة السيناتور المؤيد لإسرائيل ليندسي غراهام، فإنه لا تزال توجد شخصيات داعمة لإسرائيل داخل الكونغرس، من بينها السيناتورات توم كوتون وتيد كروز وبيل هاغرتي.
وفي المقابل، طوّر معارضو ترامب داخل الحزب الجمهوري رواية، مفادها بأن ابتعاد الرئيس عن مبدأ «أميركا أولاً» ودخوله في حربٍ كان نتيجة «تلاعب» من بنيامين نتنياهو، الذي وعد بانتصار سريع، لكنه، بحسب هذا الطرح، وضع إرث ترامب السياسي في خطر.
ووفقاً لهذا الخطاب، فإن «ترامب اختُطف سياسياً» من طرف نتنياهو، بدعم من «اللوبي اليهودي» والمسيحيين الصهيونيين، الذين يُتهمون بمحاولة تغيير هوية الولايات المتحدة كأمة مسيحية، كما أن الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون يرى أن اليهود والمسيحيين الصهيونيين شوّهوا الهوية المسيحية الأصلية للولايات المتحدة عندما ربطوا مصير إسرائيل بالهوية القومية الأميركية، وروّجوا مفهوم «التراث اليهودي - المسيحي»، بدلاً من الهوية المسيحية وحدها.
ويضاف إلى ذلك أن عدداً كبيراً من صنّاع الرأي داخل الحزب الجمهوري باتوا يتحدّون القواعد التقليدية للحزب، حتى داخل الأوساط الإنجيلية التي كانت تُعد من أكثر البيئات دعماً لإسرائيل. وبحسب أحد الخبراء في هذا المجال «شهدت مكانة إسرائيل وأصدقائها الجمهوريين داخل المجتمع الإنجيلي تراجعاً كبيراً.»
في نورماندي، قال لي كاتب يهودي طلب عدم ذكر اسمه: «هذا لا يقلّ خطورةً عن العداء القادم من اليسار، وربما يكون أشد خطراً.» وفي الواقع، تتحول مشاعر العداء لإسرائيل إلى موجة متنامية تتسرب إلى أوساط داخل الكنائس الإنجيلية، والمعطيات التي يعرضها ناشطون يهود في هذا الشأن تثير قلقاً بالغاً.
المصدر: قناة N12
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية






