البند السابع من اتفاق الإطار: شرعنة العدوان الإسرائيلي باسم الدفاع عن النفس
د. رشا أبو حيدر
يبدو هذا البند، من حيث الصياغة، متوافقاً مع المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تقرّ بحق الدول في الدفاع عن نفسها إذا تعرّضت لعدوان مسلّح. غير أن الإشكالية لا تكمن في الاعتراف بهذا الحق، فهو حق أصيل تقرّه قواعد القانون الدولي، وإنما في السياق الذي يرد فيه هذا الاعتراف، وفي النتائج القانونية والسياسية التي قد تترتب عليه.
فالبند ينطلق من فرضية قانونية مضللة مؤدّاها أن لبنان وإسرائيل يقفان على قدم المساواة من حيث المركز القانوني والوقائع الميدانية، في حين أن الواقع يناقض ذلك تماماً. فإسرائيل لا تزال تحتل أجزاءً من الأراضي اللبنانية، وتواصل انتهاك السيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً بصورة متكررة، وتنفذ غارات وعمليات اغتيال داخل الأراضي اللبنانية، وتبرر جميع تلك الأعمال بأنها تدخل ضمن «حقها في الدفاع عن النفس». أما لبنان، وهو الدولة التي تتعرض أراضيه للاحتلال والانتهاك، فلا يملك عملياً حرية الاحتجاج بالحق ذاته، إذ غالباً ما يُنظر إلى أي رد يصدر عنه بوصفه عملاً تصعيدياً يستوجب الإدانة أو الاحتواء، لا ممارسة مشروعة لحق كفله ميثاق الأمم المتحدة.
وهنا تكمن المفارقة القانونية الكبرى؛ فالبند لا ينشئ مساواة في ممارسة الحق، وإنما يكرّس مساواة شكلية تخفي تفاوتاً جوهرياً في القدرة على الاستفادة منه. فالحق الذي يفترض أن يكون متبادلاً يصبح، في الواقع، امتيازاً عملياً لإسرائيل، بينما يتحوّل بالنسبة للبنان إلى حق نظري يكاد يستحيل تفعيله سياسياً ودبلوماسياً.
والأخطر من ذلك أن النص جاء مطلقاً، فلم يضع أي تعريف لمفهوم «الدفاع عن النفس»، ولم يحدد شروط ممارسته، ولم يربطه بالضوابط التي أرساها القانون الدولي، وفي مقدمتها وقوع هجوم مسلح فعلي، وتوافر الضرورة العسكرية، واحترام مبدأ التناسب، وإبلاغ مجلس الأمن فوراً بالإجراءات المتخذة وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة. وغياب هذه القيود يفتح الباب واسعاً أمام استمرار التفسير الإسرائيلي الفضفاض لمفهوم الدفاع عن النفس، وهو التفسير الذي استخدم مراراً لتبرير عمليات عسكرية استباقية أو ممتدة زمنياً ومكانياً، رغم تعرضه لانتقادات واسعة في الفقه والقضاء الدوليين.
ومن زاوية أخرى، فإن البند يتجاهل حقيقة قانونية لا يجوز إغفالها، وهي أن الاحتلال العسكري لا يولد للقوة القائمة بالاحتلال حقاً دائماً في استخدام القوة ضد الدولة التي تحتل جزءاً من إقليمها. بل إن الاحتلال يرتب على القوة المحتلة التزامات محددة بموجب القانون الدولي الإنساني، ويقيّد استخدام القوة، ولا يمكن أن يتحوّل إلى ذريعة تمنحها حقاً مفتوحاً في شن عمليات عسكرية كلما ادّعت وجود تهديد أمني. ولذلك فإن مساواة الدولة المحتلة بالدولة التي يقع الاحتلال على أرضها تمثل، من الناحية القانونية، خلطاً بين مركزين قانونيين مختلفين تماماً.
ويزداد الخلل وضوحاً عندما ينص البند على أنه «لا يجوز لأي طرف ثالث ممارسة هذا الحق نيابة عنهما». فهذه العبارة تبدو في ظاهرها تكريساً لاحتكار الدولة لاستخدام القوة، لكنها عملياً تفرض على لبنان التزاماً فورياً بتجريد أي جهة أخرى من ممارسة القوة، من دون أن تقابله التزامات إسرائيلية موازية تتمثل في إنهاء الاحتلال، أو وقف الاعتداءات، أو الانسحاب من الأراضي اللبنانية، أو تقديم ضمانات بعدم تكرار استخدام القوة خارج الحدود. وهكذا يصبح المطلوب إزالة نتائج الاحتلال قبل إزالة الاحتلال نفسه، ونزع أسباب المقاومة قبل إزالة الأسباب التي أوجدتها، وهو ترتيب يفتقر إلى التوازن القانوني والمنطقي.
كما أن النص يخلو تماماً من أي آلية رقابية تحدد متى يكون الاحتجاج بحق الدفاع عن النفس مشروعاً، ومن هي الجهة التي تتحقق من توافر شروطه، وما هي النتائج القانونية إذا ثبت التعسّف في استعماله. وغياب هذه الضمانات يجعل تقدير مشروعية استخدام القوة رهناً بإرادة الطرف الأقوى عسكرياً وسياسياً، لا بضوابط القانون الدولي.
إن أخطر ما في هذا البند أنه لا يضيف شيئاً إلى القانون الدولي، لأن حق الدفاع عن النفس مقرر أصلاً بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، لكنه في المقابل يغفل الإشارة إلى المبادئ التي تقيّد هذا الحق، ويتجاهل واقع الاحتلال والانتهاكات المستمرة، ويضع الدولة المحتلة والدولة الواقعة تحت الاحتلال في ميزان قانوني واحد، بما يؤدي عملياً إلى إضفاء شرعية ضمنية على استمرار التفسير الإسرائيلي الواسع للدفاع عن النفس.
ومن ثم، فإن هذا النص لا يؤسس لتوازن قانوني، بل يؤسس لاختلال قانوني دائم. فهو يمنح إسرائيل إمكانية الاستمرار في تبرير عملياتها العسكرية بالاستناد إلى حق الدفاع عن النفس، في حين يضع لبنان أمام التزام دائم بضبط استخدام القوة، من دون أن يوفر له الضمانات الكفيلة بحماية سيادته أو إنهاء الاحتلال أو وقف الاعتداءات. وبهذا المعنى، فإن البند لا يعيد التوازن بين الطرفين، وإنما يعيد إنتاج اختلاله في صياغة قانونية تبدو محايدة، بينما تحمل في طياتها آثاراً غير متكافئة.
ولعلّ الوصف الأدق لهذا البند أنه لا ينشئ حقاً جديداً لإسرائيل، وإنما يمنحها غطاءً تعاقدياً جديداً للاحتجاج بحق كانت تدعيه أصلاً، في حين يقيد لبنان بالتزامات إضافية من دون أن يحصل على ضمانات مقابلة. ومن ثم، فإن النص لا يجسّد مبدأ المعاملة بالمثل، وإنما يكرّس مبدأ عدم التكافؤ في ممارسة الحقوق والالتزامات، وهو ما يتعارض مع أبسط مقتضيات العدالة الاتفاقية والتوازن الذي يفترض أن يحكم أي إطار قانوني بين طرفين متنازعين.






