يصعب على كثيرين تحديد توصيف دقيق للمشهد الراهن في البلاد في ظل الإنقسام العامودي حول خيارات اساسية أولها التفاوض وثانيها التطبيق الجدي لقرار بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها وما يندرج في هذا الإطار من عنوان واحد وهو وجود قوى مسلحة شرعية في البلاد.
وفيما يرى البعض ان الواقع الحالي معقد في سياق عدم انضاج الموقف الداخلي الموحد من المفاوضات المباشرة وهو عكسته آراء القوى السياسية من حزب الله وحركة امل ومن يدور في فلكهما، في المقابل فإن الغالبية من القوى الأخرى تدعم توجهات رئيس الجمهورية في التفاوض، وهذه الصورة تضع الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام في موقع لا يحسدان عليه.
تبقى الأولوية الرسمية تثبيت وقف اطلاق النار قبل البدء بمناقشة تفاصيل اخرى، وهذه المسألة تتكرر في الإجتماعات التمهيدية بين لبنان واسرائيل في واشنطن لاسيما على لسان السفيرة ندى حمادة معوض، في حين ان الجانب الاسرائيلي مدعوما من الجانب الأميركي يريد العمل على نزع سلاح حزب الله وسيتذرع بموضوع إزالة الخطر من اجل مواصلة الضربات.
فما هو الواقع اليوم، وكيف تحل هذه الإشكاليات؟
مما لا شك فيه ان الأنظار ستتجه الى الاجتماع التمهيدي الثالث الذي يعقد الأسبوع المقبل، وما اذا كان سيحمل امرا جديدا على صعيد الهدنة، مع العلم ان اي قرار اسرائيلي بوقف الحرب ضد حزب الله في الوقت الراهن ليس واضحا، كما ان حزب الله لا يملك رغبة في التجاوب مع مطالب الدولة اللبنانية بشأن تسليم سلاحه.
واذا كان من الثابت قيام جولة جديدة من المحادثات اللبنانية- الإسرائيلية في واشنطن يومي الرابع والخامس عشر من شهر أيار الجاري، فإن مصادر سياسية مطلعة تؤكد لـ«اللواء» ان الجديد فيها هو مشاركة السفير السابق سيمون كرم فيها ما يعني انها ستكون بداية تفاوض، بعد الحديث عن وقف اطلاق النار وتثبيته، وهذا ما يؤدي الى البحث في التفاوض، اي تطرح الاجندة لجهة ما يريده لبنان واسرائيل من التفاوض، وتعرب عن اعتقادها ان الأميركيين راغبون في التوصل الى نتيجة، وانما ليس هناك من ضمانات محددة، اما الهدف من هذه المحادثات معرفة التوجه المتصل بالوضع في إيران وبالتالي يأتي تحديد الأميركيين لموعدها في الأسبوع المقبل لإرتباطها بملف المحادثات الأميركية _الإيرانية.
وتقول المصادر انه يمكن تلمُّس انعكاسات هذه المحادثات على الملف اللبناني وتوضح ان لبنان لن يتنازل عن مطالبته بوقف الاعمال العسكرية بشكل نهائي وبدء انسحاب اسرائيل وانتشار الجيش وعودة الأسرى، في حين ان هناك ترقبا لما سيحمله الجانب الاسرائيلي من مطالب وليس مستبعدا ان يكون سقفها مرتفعا، وتعلن ان المفاوضات موجودة للبحث في هذه المواضيع بين الطرفين ولبنان يراهن على الموقف الأميركي للضغط في هذا السياق، مرجحة استمرار خرق الهدنة ووقف اطلاق النار قبل يوم او يومين من هذه المفاوضات اذا رغب الجانب الاسرائيلي وضغط الأميركيون بهذا الخصوص.
وفي سياق اخر، يتحدث مراقبون عن ان الخلاف الداخلي على ملف التفاوض من شأنه اضعاف ورقة لبنان، وقد يؤدي الى مراوحة وبقاء الوضع على ما هو عليه، لا بل ربما تتزايد الضغوط على لبنان لعدم التأخير في التقدم في التفاوض، وهناك من بات يتحدث عن صورة قاتمة في ظل تفاوت المطالب بين لبنان واسرائيل، كما ان الخشية من تصعيد اسرائيلي في لبنان مسألة قائمة لاسيما ان لا مشكلة لدى إسرائيل في البقاء على القتال ومواصلة مخططاتها حتى في عز التفاوض.
ما هي الا ايام قليلة حتى تتبلور فيها المعطيات المرتبطة بالمحادثات في واشنطن حتى وإن كان البعض لا يرى منها سوى الدوران في الحلقة المفرغة، فهل يطرأ ما قد يُفضي الى قلب المعادلات وظهور واقع جديد.. انه التمني المنشود وانما على ارض التطبيق هناك عوائق كثيرة ومتشابكة.