وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، ليس كما قبله، أقلّه ما يخططه لفلسطين. فلم تعد القضية الفلسطينية، كما يرى، قضية مركزية بالنسبة للعرب والعالم، إلّا من الجوانب الإنسانية. لم يعد تحرير فلسطين، مطروحة بين دول الطوق، ولا بين الدول العربية والإسلامية. صارت جميع المسائل المتعلقة بها، إنما تتحدث عن بعض المساعدات الغذائية، وعن فتح باب الهجرة أمام أبنائها، للإستشفاء وللعلاج وللعمل.
ربما صارت الدعوات صريحة إلى ذلك لدى بعض الدول، خصوصا بعدما أطلق الرئيس الأميركي، العائد توّا إلى البيت الأبيض، بعد غياب أربع سنوات، صيحته المدوية: التحضير اللهجرة الفلسطينية الكبرى، بالتفاوض، أو تحت النار. لأن الرئيس ترامب، إنما جاء للإيفاء بالوعد الجديد: منح إسرائيل، كل فلسطين، وما حولها، من جبل الشيخ إلى القنيطرة وحوران، إلى سيناء وجنوب الليطاني، وذلك من أجل إطفاء الحرب حتى لا تظل مستعرّة.
نعم.. قال الرئيس ترامب كلمته ومشى. أمهل العرب جميعا، أن يفكّروا بها، وترك الباب مفتوحا للتهاني بالولاية الجديدة، على أساس من هذه المعادلة، حتى لا يدع مجالا للشكوك في نيّاته، ولا للشكوك في مقاصده، فقد قدّم بصريح العبارة: مقاصد ولايته الثانية.
جعل الرئيس ترامب جميع العرب، في شك من أمرهم، صدمهم حقا. صاروا يترددون في زيارته للتهنئة، وأغلق على المفاوضات التي تدور في الكواليس، لئلا يكون هناك من المحرجات، ما يمنع التهاني، كما كانت تجري العادة، أثناء الزيارات السابقة.
أزمة الدفاع عن فلسطين، بلغت طورا جديدا، وصارت عنوان المرحلة القادمة. فلم يدع الرئيس ترامب، مخرجا للجميع. صارت التهاني مقرونة أو مشروطة، بقبول مشروع الرئيس ترامب، في تهجير جميع الفلسطينيين. فكيف يمكن أن يستسيغ الحكام العرب، مشروع الرئيس ترامب، في تسليم كامل التراب الفلسطيني، خاليا من شعبه، للكيان الإسرائيلي؟ وكيف ستكون خارطة الطريق، لإقناع الشعوب، بالتنازل عن حقوقها، أمام الرجل الذي يقول: إنه جاء لإسترداد حقوق الأميركيين: من كندا ومن غرينلاند ومن أوكرانيا ومن الصين، ومن روسيا ومن بنما ومن الموزنبيق؟!
لا نشكّ لحظة، أن الرئيس دونالد ترامب، قد خرج عن طوره، بعد تسلّمه الولاية الثانية. ولا نشك لحظة أيضا، أن الرئيس ترامب، بدأ عهده، كتاجر قديم. فمشروعه في الإدارة الجديدة، هو أن يعرض بضاعته، هو أن يعرض مشروعاته، ثم ينتظر طويلا أو قليلا حتى يحصل على أرباحه الصافية.
أغلب الظن، أن الرئيس دونالد ترامب، قد نسي: أن الشعب الفلسطيني، لم يعد يرهبه التهديد والوعيد، بعدما دفع الغالي والرخيص، في سبيل قضيته. وأن الدول العربية جميعا، ما عاد همّها إرضاء الإدارة الأميركية، بعدما سكتت دهرا على ما أصابها. وأن شعوب العالم، في جميع الدول التي طالتها تهديدات ترامب الأخيرة، قد شبّت عن الطوق، وبلغت سن الرشد، وصار بإمكانها أن تعرف كيف تحفظ مصالحها، دون أن تعرضها في سوق الخسارة.
مشروعات الرئيس دونالد ترامب المستجدة على فلسطين والعالم، قد جعلته يقع في أزمة تضخيم الذات، وجعلت العرب جميعهم، ينصرفون لدفعها بالتي هي أحسن، ويحسّون في الوقت عينه، أن الدفاع عن فلسطين، إنما هو حق من حقوقهم. وهم أدرى بمصالحهم، ولا يساومون عليها.
شأن الفلسطينيين والعرب في ذلك إذا، شأن العالم أجمع: فهل يستسلمون لإرادة ومخططات ترامب المستجدّة؟!
هذا ما لا يصدّقه، لا عاقل ولا مجنون!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية