9 أيار 2026 12:00ص الصفقة الأخيرة مع الموت... ومقايضة الحياة

حجم الخط
شدّني منذ اللحظة الأولى عنوان رواية «لو اختفت القطط من العالم !»، ليس فقط لغرابته، بل لذلك الارتباك الهادئ الذي يخلقه في الذهن: كيف يمكن لغياب كائن صغير، أن يهدّد توازن العالم؟ ولأنني من محبّي وعشّاق القطط، ولهذا السبب تحديداً، شعرتُ أن السؤال لا يتعلق بالقطط وحدها، بل بما تمثّله فينا نحن: ذلك الجزء الحميم، غير القابل للاستبدال، من الذاكرة والعاطفة والسكينة. ففي الأدب الياباني المعاصر، لا تأتي الأشياء بسيطة كما تبدو. القطط مثلاً، في الثقافة اليابانية، ليست مجرد حيوانات، بل كائنات عابرة بين العوالم، تحمل شيئاً من الغموض الروحي، وتُجسّد الحظ والبركة كما في تمثال مانيكي-نيكو. هذا البُعد الرمزي يجعل اختفائها في الرواية أكثر من حدث خيالي؛ إنه اهتزاز في طبقة خفية من المعنى، وكأن العالم يفقد جزءاً من روحه دون أن يلاحظ ذلك في البداية.
يُبنى جوهر هذا العمل الروائي للكاتب الياباني غينكي كاوامورا على سؤال وجودي مربك: ماذا لو اضطر المرء أن يقايض حياته مقابل أشياء تملأ عالمه؟ ينطلق الكاتب من فرضية قاسية، ويأخذنا في سرد فلسفي يغوص في تفاصيل حياة بطل القصة، الذي كان شخصية عادية تمارس حياتها بهدوء، إلى أن يُصاب بمرض قاتل. وفي متاهة الصدمة، يكتشف أنه مهدّد بالموت، فيظهر له «الشيطان» بعرض ومقايضة غريبة: يُمنح يوماً إضافياً من الحياة مقابل اختفاء شيء يخصّه. وهنا تبدأ المأساة: كيف أن الحياة تُشترى بالفقد. فكل يوم إضافي يعني تنازلاً جديداً عن شيء كان يبدو عادياً وغير مهم. لكن المفارقة أن الأشياء «غير المهمة» هي التي تكشف معناها الحقيقي لحظة اختفائها.
ما يثير الرعب في التجربة ليس الموت فقط، بل فكرة التدرّج نحوه عبر فقدان العالم قطعةً قطعة. الهاتف، الأفلام، الساعات... ثم القطط. ومع كل تخلٍّ، يتضح أن ما نعتبره هامشياً هو في الحقيقة نسيج حياتنا غير المرئي. نحن لا نعيش فقط بالأشياء الكبرى، بل بتلك التفاصيل التي تمنح اليوم شكله الإنساني: فنجان قهوة، صوت من نحب، نظرة قطة تتكئ على الصمت.
في هذا السياق، تصبح القطط أكثر من رمز؛ إذ تتحوّل إلى ذاكرة عاطفية. حين يفكر البطل في اختفائها، لا يفكر في الحيوان ذاته، بل في أمه، في دفء مفقود، وفي علاقة كانت تربطه بالعالم عبر الحنان. هنا تتحوّل الرواية إلى تأمّل في الحياة، وفي الفقد الأول الذي لا يُقال، وفي الطريقة التي تختبئ بها المشاعر في الأشياء. تجربة البطل مع الشيطان هي مواجهة داخلية مع معنى الحياة. «لكي تنال شيئاً، يجب أن تفقد شيئاً في المقابل» وهذه ليست مجرد قاعدة في اللعبة، بل قانون الوجود نفسه. نحن نعيش دائماً في حالة مقايضة: وقت مقابل لحظات، استقرار مقابل مغامرة، ذاكرة مقابل نسيان. لكننا لا ننتبه لذلك إلّا عندما يصبح الفقد ملموساً.
مع اقتراب النهاية، يتغيّر إدراك البطل للعالم. الأشياء التي كانت عادية تصبح محمّلة بالمعنى، والأشخاص الذين كان يتجاهلهم هم مراكز ثقل عاطفي. إنها صحوة الموت، تلك اللحظة التي يصبح فيها الزمن مكثفاً، ويبدأ الإنسان برؤية حياته كما لو أنها تُعرض عليه للمرة الأولى. تذكّرنا الرواية بفكرة فلسفية عميقة: أن الموت لا يجعل الحياة عديمة المعنى، بل يكشف معناها الحقيقي. حين يصبح الوقت محدوداً، يصبح كل تفصيل غير قابل للتجاهل. لذلك، فإن الخوف الحقيقي ليس من الموت، بل من العيش في غفلة ودون انتباه.
في الخلاصة، إن اختفاء القطط استعارة دقيقة لفقدان ما يجعلنا بشراً. القطط هنا هي الذاكرة، هي تلك الأشياء التي لا ننتبه إليها إلّا حين تغيب. لذا، فإن الرواية تمنح قارئها فسحة للتمهل وإعادة النظر، وتأمّل الأشياء بكامل حضورها، وبالأخص تلك التي ضاعت وسط دهاليز الحياة في رحلة الجري المستمر، التي لا تمنح المرء لحظة التفاتة لتلك الذكريات التي نُودِعُها في صناديق النسيان، ففقدت جوهرها حتى غدت خردة نسعى للتخلص منها مستقبلاً. ونتعجّب كيف: «يمتلك البشر قدرة عجيبة على تحويل كنوزهم إلى خردة. كل هدية عزيزة، وكل رسالة محببة، وكل ذكرى جميلة سرعان ما تُنسى وتُهمل في الحقيقة». نكتشف بعدها أن الموت ليس «هناك» فقط، بل يبدأ «هنا»، في الجزئيات التي تُنسى، في الكلمات التي لا تُقال، وفي الذوات التي تتنازل تدريجياً عن نفسها دون أن تنتبه. نموت بطريقة انسحابنا من العالم: عندما نتجزأ كما تتجزأ ذاكرتنا، رغباتنا، أصواتنا الداخلية، وأشياؤنا الثمينة. ربما لهذا السبب علينا أن نسأل أنفسنا دائماً: ماذا يحدث لو اختفت القطط؟ ماذا يحدث لنا نحن لو فقدنا القدرة على ملاحظة ما يجعل العالم قابلاً للعيش؟