9 أيار 2026 12:00ص وليد الأيوبي وقّع في طرابلس مؤلفه الجديد «من الثورة الصاخبة إلى الثورة الهادئة»

د. الأيوبي ود. علوش ود. جبور والقاضي الحلو وميراي شحادة خلال توقيع الكتاب د. الأيوبي ود. علوش ود. جبور والقاضي الحلو وميراي شحادة خلال توقيع الكتاب
حجم الخط
وقّع مؤسس حركة «ثورة بلا حدود» وأمينها العام الدكتور وليد الأيوبي مؤلفه الصادر حديثا ضمن منشورات «منتدى شاعر الكورة الخضراء عبد لله شحاده الثقافي»، وعنوانه: «من الثورة الصاخبة الى الثورة الهادئة: جذر العطل العميق في الجمهورية المختطفة - الطريق الثالث والنموذج السياسي البديل»، في الرابطة الثقافية في طرابلس.
استهل اللقاء بالنشيط الوطني، تلاه كلمة رئيسة المنتدى وعضو «وحدة التخطيط» في حركة «ثورة بلا حدود» ميراي شحادة، التي شدّدت على أن «الثورة ليست مجرد حدث عابر في التاريخ، ولا إسقاط نظامٍ قائم، فهي قبل كل شيء فعل وعيٍ إنساني، تعيد تعريف الإنسان لنفسه وحريته لتطال كلّ خلايا المجتمع «من أصغر ذرّة حتى أكبر مجرّة».
ثم ألقى الأستاذ الجامعي وعضو «مجموعة التفكير» في حركة «ثورة بلا حدود» القاضي شربل الحلو كلمته واعتبر انه «سقط لبنان على حد لأننا أخطأنا التشخيص ونخطئ العلاج. وان المعادلة قائمة بين فئتين: فئة قلقة وفئة مرتاحة. ولن يكون الحل ممكنا إلّا عندما يرتاح القلقون ويقلق المرتاحون».
ثم كانت كلمة للنائب السابق الدكتور مصطفى علّوش الذي اعتبر أن «الكتاب سيبقى مفخرة في سجل الكاتب الذي نزف فكره على الورق، كفعل تجاوز لحشرة الفكر في العقل، لينتقل مباشرة الى جدلية جديدة في العقل، الذي لا ينفك يسعى نحو الاكتمال من خلال التجاوز». واعتبر أن «قوة العمل تكمن في أنه لا يتعامل مع الانهيار اللبناني بوصفه حادثة سياسية طارئة، بل بوصفه عارضا لعطب بنيوي عميق. فالكتاب لا يسأل لماذا انهار لبنان فحسب؟ بل يسأل: ما الذي يجعل الدولة تفشل دون أن تختفي؟ وما الذي يجعل المؤسسات تتحوّل من أدوات تنظيم الى هياكل خاوية؟».
عضو «مجموعة التفكير» في حركة «ثورة بلا حدود» البروفسور جان جبور أشار الى أن «المشكلة في لبنان تكمن في أننا نثور كثيرا لكننا نؤسس قليلا؛ نرفع الشعارات، لكننا نتعثر عند لحظة بناء المؤسسات. ومن هنا تحديدا، تنبع أهمية كتاب الدكتور وليد الأيوبي «من الثورة الصاخبة الى الثورة الهادئة»، إذ لا يكتفي بتوصيف لحظة 17 تشرين أو الاحتفاء بها، بل يذهب أبعد من ذلك، محاولا التفكير في ما بعدها، في تلك المنطقة الدقيقة التي ينبغي فيها للثورة أن تتخلّى عن صخبها لكي تصبح نظاما».
ورأى أن «العمل محاولة لإعادة الاعتبار للسياسة كفعل أخلاق، لا مجرد صراع بين قوى متنافسة».

الأيوبي

اختتم اللقاء بكلمة للأيوبي توقف فيها عند مبادرته الى تأسيس حركته الوطنية بتاريخ 16 كانون الأول من العام 2019 في الرابطة الثقافية في «مدينة الثورة طرابلس، حيث شكّلت اللقاءات الفكرية والسياسية التي جمعته بالعديد من المجموعات والوجوه الوطنية المنخرطة في صفوف ثورة 17 تشرين أو الداعمة لها، من مختلف المناطق اللبنانية، ومختلف قارات العالم، حافزاً كبيراً على الشروع بالكتابة عن أفضل السبل الكفيلة بالنهوض بالبلاد في المجالات كافة.
واعتبر أن «انخراط صاحب هذا الكتاب في صفوف الثورة لم ينحصر بالجانب التجريدي - التنظيري - التثقيفي - التوجيهي، بل كان له دوره النضالي - الميداني - التنظيمي».
وتوقف عند «أهمية التشخيص في معالجة المعضلة السياسية اللبنانية، وهي في رأيه معضلة أنطومية ثلاثية الأبعاد، تتمثل بالتوحش السياسي، والتوحش الاقتصادي، والتوحش الطائفي، ثلاثية المسؤولة عن الخراب والهراء الذي يعمّ البلاد، واقترح ثلاثية مضادة تتمثل بالسيادة الوطنية، والعدالة المجتمعية، والثقافة المدنية».
ورأى أن «السيادة ومشروع النهوض لا يكتملان إلّا بتحقيق العدالة المجتمعية والثقافة المدنية وشرطها الوعي، محور عناصر هذا النهوض».

نص كلمة مؤسس حركة "ثورة بلا حدود" وأمينها العام الأستاذ الدكتور الأمير وليد الأيوبي

كانت ثورة 17 تشرين 2019 المباركة باب خير فتحه أمامي التاريخ على مصراعيه بكرم سياسي لا مثيل له، بعد أن كان موصدا" في وجهي طيلة عقود من الزمن، جرّاء السياسات الإقطاعية التي تنتهجها المنظومة الحاكمة، فسمحت لي بالتعرف على وجوه وطنية أصيلة كأصالة هذا الوطن العزيز. 
في هذه الحياة، وعند كل استحقاق مهم نواجهه، هناك أشخاص يتركون أثرا طيبا لا يُمحى بمرور الزمن، وذلك بالنظر الى عطائهم اللامحدود، وأخصُّ بالذكر في هذه المناسبة العزيزة، شريكة حياتي السيدة لمى الحسن، الجديرة بلقب الشريكة في هذا الإنجاز الذي تطلّب منّا، كل في مجال عمله، التضحيات الجسام.
وأتقدّم في هذه المناسبة العزيزة بأسمى أيات التقدير من أبنائي وبناتي على آرائهم القيمة التي أغنت هذا البحث: الطبيب الدكتور الأمير جميل، والخبير الاقتصادي الأمير رأفت، وخبيرة المحاسبة الأميرة كنده، والمحامية الأميرة نسب، والخبير المالي الأمير جاد، والشابة المثقفة الأميرة يارا. كما يستحق الشكر كل من وردت أسماءهم في طيّات هذا الكتاب تلميحا" أو تصريحا". 
وفي هذه المناسبة العزيزة، أتقدّم بالشكر الجزيل، وأسمى آيات التقدير، من رائدة النهضة الثقافية الوطنية، الشريكة في "وحدة التخطيط" في حركة "ثورة بلا حدود"، الصديقة العزيزة المهندسة الأستاذة ميراي عبد الله شحاده، ومن "منشورات شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحاده الثقافي"، التي تشرف عليها الأستاذة ميراي على مساهمتها المالية في طباعة هذا المؤلّف الذي أردناه تجسيدا لإرادة وطنية مشتركة بين "الحركة" و"المنتدى"، غايتها إعلاء شأن الإنسان في وطن الأرز.
وأتقدم من الشخصية الأكاديمية الوطنية البارزة، الصديق والزميل العزيز في الجامعة اللبنانية، والشريك في "مجموعة التفكير" في حركة "ثورة بلا حدود"، الأستاذ الدكتور جورج خليل مارون، على تكبّده عناء التصحيح اللغوي، ومن سائر الرفاق في الحركة بخالص المحبة، على هذه الشراكة النضالية المجبولة بمكارم الأخلاق.
وقد تبلورت فكرة هذا المؤلَّف لدى صاحبه (أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، ومؤسّس حركة "ثورة بلا حدود" وأمينها العام، الأستاذ الدكتور وليد الأيوبي) في ظل الأحداث السياسية التاريخية التي شهدها لبنان، إبتداء من السابع عشر من تشرين الأول من العام 2019 تاريخ اندلاع ثورة 17 تشرين الوطنية المجيدة، حيث بادر الى تأسيس حركته الوطنية في هذا الصرح الثقافي بالذات، التي أطلقنا عليها اسم حركة "ثورة بلا حدود"، وكان ذلك بتاريخ 16 كانون الأول من العام 2019.
فقد شكلت اللقاءات الفكرية والسياسية التي جمعت صاحب هذا المؤلَّف بالعديد من المجموعات والوجوه الوطنية المنخرطة في صفوف هذه الثورة أو الداعمة لها، من مختلف المناطق اللبنانية، ومختلف قارات العالم، حافزاً كبيراً على الشروع بالكتابة عن أفضل السبل الكفيلة بالنهوض بالبلاد في كافة المجالات.
ولم ينحصر انخراط صاحب هذا الكتاب في صفوف الثورة في الجانب التجريدي-التنظيري-التثقيفي-التوجيهي، بل كان له دوره النضالي-الميداني-التنظيمي الذي خصص له مؤلفا" ثانيا" تضاف اليه هذه الإسهامات العلمية التي تفضلتم بها في هذه المناسبة، حيث يشرح فيه الكاتب حيثيات تجربته الشخصية، وأبرز الدروس المستخلصة منها. 
المقدمة
إن النظام السياسي اللبناني ما شاخ وحسب، بل مات وشبع موتاً، وتجميله من خلال التركيز على معالجة العوارض على حساب الأسباب، لم يعد يجدي نفعاً، وما ثورة 17 تشرين 2019 سوى مؤشر من المؤشرات لدالة على هذا الموت المحتوم. 
لقد استحال لبنان في ظل ثورة 17 تشرين أعظم مدرسة سياسية عرفها المحيط في التاريخ المعاصر، فقد جعلت التلميذ باحثاً والباحث طالباً للمعرفة في أمهات الكتب للخوض في المسائل المعقدة، باحثٌ دائم التأهب للإجابة عن كل الأسئلة التي تطرح عليه، حول أفضل السبل الكفيلة بإعادة بناء دولته التي أنهكها التاريخ وأنهكتها الجغرافيا.   
فلثورة 17 تشرين الفضل بجمع المواطنين اللبنانيين من كلّ ألوان الطيف في بوتقة واحدة، من أجل تحديث بلادهم ورفع الضيم عنها، مواطنون جمعتهم حميتهم ونخوتهم وشهامتهم الوطنية وحبّهم للبنان وحرصهم على حريته وسيادته واستقلاله.
ولا زال عطاء ثورة 17 تشرين بلا حدود، ولا زالت ثورة هذه الثورة على الظلم بلا حدود، ولا زال طموح هذه الثورة من أجل التغيير بلا حدود، فهي الجندي المجهول الذي يبذل الغالي والنفيس من حبّ ومعرفة وخبرة من أجل الوطن المفدّى لبنان، مواطنون ثائرون تشبه ملامحهم ملامح الوطن الجميل الذي يسعون إلى بنائه، وطن فاعل في التاريخ، لا عالة على الآخرين، يتلقّى منهم دروسٌ في التاريخ.  
أما "ثورة بلا حدود" فهي حركة وطنية سيادية تغييرية اجتماعية ديمقراطية تنويرية حرّة القرار، تعمل على إيقاع قناعاتها، وهي مستمرّة بالنضال السياسي الهادف بكل الوسائل الديمقراطية المتاحة لتحقيق أهدافها في السيادة الوطنية والعدالة المجتمعية والثقافة المدنية، فهي وكلّ المناضلين الوطنيين الأحرار، شركاء أساسيون في إحداث التحوّل الديمقراطي المرتجى. 
إنّ حركة "ثورة بلا حدود" ليست صدى لأيّ مشروع سياسي محلّي أو إقليمي أو دولي، بل صوت الضمير الإنساني، والحق الإنساني، والحسّ الإنساني السليم، وهي تدعو كل المؤمنين بفكرها السياسي إلى رص الصفوف وإعداد العدّة في سبيل تحقيق أهدافها في السيادة الوطنية والعدالة المجتمعية والثقافة المدنية.
وقد شاءت الظروف المحلية والإقليمية والدولية أن يكون لنا رئيسٌ للجمهورية من رحم المؤسسة العسكرية، ورئيسٌ للحكومة من رحم المجتمع المدني، فشعرنا صراحة بالارتياح كونهما من خارج النادي السياسي، وكوننا ما زلنا في بداية الطريق. 
لكننا وبصراحة نخشى أن تكون القرارات التي اتخذتها الحكومة، مجرّد هندسة سياسية تؤدي الى رسلكة المنظومة، من خلال إعادة ترشيد نظام المغانم والمنافع، فما لم يتم إلغاء النظام الطائفي، والعقلية الطائفية، والثقافة الطائفية، المسؤولة في الدرجة الأولى عما ألت اليه الأوضاع من خراب في البلاد، والانتقال بها من الطور السياسي الغرائزي إلى رحاب الطور السياسي العقلاني، سنبقى ضحايا المتاهة نفسها...

الطريق الثالث والنموذج السياسي البديل
"حطّم سيفَك وتناول معولَك، واتبعني لنزرع السلام والمحبّة في كبد الأرض." (بعل)
إن "الطريق الثالث" تعبير عن رؤية عالمية نابعة من قناعة أخلاقية وسياسية راسخة بالسلام، وعبارة عن توجّه فكري داخلي-خارجي متكامل يجمع بين الإرادة الوطنية المستقلّة، والقدرات الوطنية المادية والمعنوية الكفيلة بالحدّ من حالة الانكشاف التي تعانيها الشعوب المستضعفة، تحقيقاً لاستقلالها الفعلي عن سياسات المحاور الظالمة.
إنّ "الطريق الثالث" يدعو إلى تحرير الشعوب بكلّ السبل الممكنة، ليس من أسلحة الدمار الشامل وحسب، بل مما هو أخطر منها، ويتمثّل بالمنظومات الأخلاقية والفكرية والثقافية التي تحرّض على الحقد والكراهية والعنصرية، والغلّو والإقصاء والتمييز، وممارسة السطو الممنهج على ثروات الشعوب، و"تنمية التخلف"، وإذكاء نار الحروب والفتن.
إن المواطن المستنير من منظور "الطريق الثالث هو المواطن ذو الدور التنويري الطليعي، وهو المواطن ذو الفكر الفريد، والثقافة الفريدة، والشخصية الفريدة، والبصمة الفريدة، وهو المواطن الذي يتجاوز تأثير نضاله حدوده المهنية والوطنية، ليطال مختلف الكيانات الحية، متحلّيا في مسيرته النضالية بالانحياز الأخلاقي والسياسي لمصلحة بلاده العليا والقضايا الإنسانية جمعاء.
إن "الطريق الثالث" مقاربة منزّهة عن العماء الإيديولوجي، فهو طريق يتجاوز المقاربات والمفاهيم والمصطلحات الاختزالية من قبيل جنوب-جنوب وشمال-جنوب- وشمال-شمال وشرق-غرب، ويمين ووسط ويسار، ورأسمالية واشتراكية ومحافظة، ومسلم ومسيحي، وسني وشيعي، وسائر التصنيفات الشائعة من قبيل عالم أول وثان وثالث. 
إنّ استئصال ظواهر الاستبداد والتخلف والفساد في مختلف دول العالم الثالث يتطلّب العمل بالتوازي على مسارين اثنين: مسار جنوب-جنوب ومسار شمال-جنوب. أما على المسار الأول أي جنوب-جنوب، فينبغي تعزيز المشروع الديمقراطي من خلال استنهاض الأكثرية الصامتة والخائفة والمترددة، وتعزيز دور المجتمعات المدنية، وتفعيل الحوكمة الرشيدة، تحقيقاً لسيادة المؤسّسات، وتعزيز المساءلة والمحاسبة على الممارسات، التي جعلت الدولة عبارة عن مجموعة آليات ناظمة لشتّى أشكال الممارسات الكليبتوقراطية، في ظلّ ما يعرف اليوم زوراً بالجنوب العظيم The Great South.
أمّا على المسار الآخر أي شمال-جنوب، فإنه ينبغي على القوى المدنية الحرّة والحكومات الحرّة في دول الشمال والجنوب، تعزيز الاتحاد والتواصل مع المجتمعات المدنية الحرّة والحكومات الحرّة في دول الشمال والجنوب على السواء، للتصدّي لسياسات الاستغلال والسطو على حقوق الشعوب، وللإيديولوجيات والمشاريع السياسية التي تعزّز الكراهية والتطرّف والإرهاب والعنصرية، والتي تروج لها دوائر صنع المكائد والفتن والصراعات والحروب الدموية في العديد من الدول التي تنتمي زوراً إلى ما يعرف بالعالم الأول The First World أو العالم الحر The Free World أو الشمال العظيم The Great North أو الجنوب العظيم؛ فما يهم حركة "ثورة بلا حدود" لا أن يكون الشمال عظيما أو أن يكون الجنوب عظيما، بل أن يكون الإنسان نفسه عظيما!
الطريق الثالث: المنظور الوطني
قد يكون مستحيلا في الحالة اللبنانية التوافق على قراءة واحدة للتاريخ، لكن التوافق بين اللبنانيين على تصور مشترك عن مستقبل البلاد أمر ممكن. وبما أن تأثير الأوطان لا يقاس بالجغرافيا والديموغرافيا وحسب، وبما أن لبنان المنشود ينبغي أن يكون وطناٌ كبير الفعل عظيم المعنى في حسابات السياسة والتاريخ، على اللبنانيين مضاعفة العمل تعزيزا لحضورهم الفاعل في السياسة والجغرافيا والتاريخ...وفي الحاضر والمستقبل القريب منه والبعيد.   
إنّنا في حركة "ثورة بلا حدود" كنّا وما زلنا نطمح لتحقيق التحوّل الديمقراطي العميق في البنيات المجتمعية اللبنانية، ولم نخف يوماً رهاننا الكبير على الجيش اللبناني، للتحرّر من سيطرة المنظومة على البلاد، والشروع في ورشة الإصلاح المنشودة؛ فمن دون جيش قوي، تصبح القوانين وهما وسرابا، وبلا قوانين تصبح الجيوش منفلتة من عقالها بلا ضوابط، فالقانون هو الوسيلة الضرورية لتوطيد الاستقرار، لكن القانون بلا قوة داعمة له يستحيل شرا مستطيرا.
لقد آن الأوان للاقتناع أن الخوف المتبادل قد بلغ حدّه الأقصى، وأن العيش في ظل الدولة هو أكثر أمانا من العيش في ظل الخوف وانعدام الأمان خارج أسوار الدولة، فوحدها الدولة قادرة على توفير الحماية للمجتمع من حالة التوحش الكامنة خارج أسوارها. 
إن احترام القوانين تبقى أقلّ كلفة من العيش في حالة من الخوف الدائم، فخطر الفوضى على المجتمع أعظم بكثير من خطر السلطة عليه، لكن عندما تكون السلطة وزبانيتها فوق المساءلة والمحاسبة، يفقد المواطن الثقة بالدولة، فتفقد الدولة علّة وجودها. 
إن اللبناني هو أكثر شعوب العالم حداثة، لكنه أكثرها تخلفا، فالمثقفين منهم – إلا من رحم ربي- عند الأزمات، يتحولون الى كائنات متوحشة، وحركة ثورة بلا حدود تعمل بوحي من قناعاتها، للتصدي لهذا البارادوكس، فالأمم البدائية تتفاضل في ما بينها بالقوة، فإذا ارتقت تفاضلت بالعلم، فإذا بلغت منتهى الرقي، تفاضلت بالأخلاق." (عبد الرحمن إبن خلدون)
إن مكافحة ثلاثية التوحش السياسي، والتوحش الاقتصادي، والتوحش الطائفي، المسؤولة عن الخراب والهراء الذي يعم في البلاد، لا يكون سوى من خلال تفعيل ثلاثية مضادة تتمثل بالسيادة الوطنية، والعدالة المجتمعية، والثقافة المدنية. 
إن شرط استرداد السيادة الوطنية يكمن في التخلص من الطائفية السياسية التي تشكل قنوات عبور للخارج الى الداخل، وهو في رأي حركة ثورة بلا حدود شرط تحقيق العدالة المجتمعية، فلا عدالة مجتمعية من دون سيادة وطنية، ولا عدالة مجتمعية عندما يكون الفقر مدقعا، فيجبر المواطن الفقير على التخلي عن ضميره لصالح "مواطن" غني أو قوي، قابل وقادر على الاستحوذ عليه، فالحد الوسط من منظور حركة "ثورة بلا حدود" هو الحد المطلوب في هذا المضمار، فالسيادة ليست صك ملكية، بل ظاهرة ديناميكية عقلانية، علة وجودها تتمثل بتحقيق التوازنات الخلاقة بين كل فئات المجتمع وقطاعاته، بحيث يحصل كلّ قطاع، وكل فئة، وكل مواطن، على القدر المناسب والمتناسب الذي يستحقه. (جان جاك روسو)
إنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان! واسترداد السيادة شرط لازم وواجب لبناء الجمهورية المدنية، العادلة، العلمانية، الأخلاقية، العلمية المنشودة؛ فعندما يكون المواطن واعيا، سوف يتحرر حتما من التبعية والخوف والجهل، ومن الخضوع والخنوع، "فلا شيء يخيف الحاكم مثل شعب بدأ يفكر، فالفكر يهدد الحكم أكثر من السيف، والوعي هو أولى خطوات العدالة" على حد تعبير نيكولو ماكيافيلي.
والسيادة ليست من منظور حركة "ثورة بلا حدود" مجرد قرار، بل نسق متكامل الأبعاد، وهي مسؤولية تقع على عاتق كل مواطن على كل مستويات صنع القرار، صغر حجم هذه المسؤولية، وهي نسق يشمل كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية...وهي لا تكتمل الا باكتمال الثقافة الوطنية المدنية، وشرطها ثنائية المشاركة الفاعلة والهادفة في صنع القرار والوعي المعرفي البناء والخلاّق.
إن "الطريق الثالث" هو السبيل لاستعادة الإنسان حرياته وحقوقه المختطفة، ولا تستعاد هذه الحريات والحقوق سوى مع استعادة السيادة على مستوى كل خليّة حيّة فاعلة في هذا الجسم الوطني الجامع، كل مستوى أسرة، وعامل كادح، ومزارع، وصياد، وتاجر، وفلاح، وعسكري يذود عن حياض وطنه، وعلى مستوى كل صناعي، وموظف، ومعلّم، ومهندس، وطبيب، ومحام، وباحث، فبفضل إنجازات هؤلاء وأخلاقياتهم، وتفانيهم، وتجردهم، يتحقق الخير وتسود الحرية. 
وما لم نسترد سيادتنا الوطنية، سنبقى ندور في حلقة مفرغة، فالسيادة الوطنية هي مفتاح التحول المجتمعي المرتجى، فعندما تكون مختطفة، أيّاً كانت هوية المختطِف، تنظيما مسلّحا، أو دولة عميقة، أو أيديولوجية رجعية، أو أليغرشية حاكمة، أو شركة خاصة، أو طائفة دينية، أو دولة أجنبية، أو منظومة دولية أو إقليمية، تصبح كل القرارات والسياسات والقوانين المنبثقة عن السلطة العامة فاشلة وغير شرعية وبلا مصداقية. 
 
مشروع المنظومة الاقتصادية المتكاملة: طرابلس عاصمة للشرق الأدنى
إنّ البيئة الاستراتيجية التي تحيط بالواقع الدولي أصبحت حاضنة للنزاعات الدولية المدمّرة، بسبب فقدان الثقة المتبادلة بين القوى الدولية الفاعلة، جرّاء جموحها نحو الهيمنة، ممّا يحتّم العمل على إعادة  بناء هذه الثقة، انطلاقاً من رؤية أخلاقية-فلسفية-سياسية واقتصادية شاملة.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد أعدّت غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال، تصوّراً اقتصادياً استراتيجياً باسم The Integrated Economic System أو "مشروع "المنظومة الاقتصادية المتكاملة"، الذي يمكن أن يتحوّل في لحظة سياسية تاريخية الى درة تاج الشرق الأدنى برمته. 
وفي رأي "خالد حنفي" أمين عام "اتحاد غرف التجارة العربية"، فإن الميزة التفاضلية المحورية لهذا المشروع، تتصل تحديدا بمرفأ طرابلس، الذي من شأنه أن يشكل عقدة تواصل إستراتيجية بين دول الخليج العربي، مروراً بالعراق والأردن وسوريا، وصولا الى دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيّما تلك المطلّة على شمالي البحر الأبيض المتوسط، بكلّ ما يمثّله هذا التصوّر الجديد من فرص اقتصادية واستثمارية فائقة الأهمية.  
إنّ مشروع "المنظومة الاقتصادية المتكاملة" الذي أعدّته غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال، هو مشروع وطني طموح من شأنه أن يشكّل في رأي "خالد حنفي" قطباً اقتصادياً ينمو وينمّي ما حوله، ليتحول عندما يلامس عتبة النضوج، الى نموذج يحتذى به."   
فالإنماء المتوازن ليس شعاراً انتخابياً موسمياً، وليس نصّاً دستورياً بلاغياً، بل حقّاً إنسانياً أساسياً، وضرورة فائقة الحيوية والأهمية، فلا إمكانية لتحقيق التوازن في العمران البشري الوطني، في ظلّ المعاناة الدراماتيكية التي تواجهها مكوّنات هذا العمران، وفي مقدمها مدينة طرابلس.

الخلاصة
إن حركة "ثورة بلا حدود" تعلم علم اليقين بأنّه دون تحقيق هذه الأهداف الميتا-استراتيجية التي تبدو للوهلة الأولى مستحيلة المنال، معوّقات ميتا-استراتيجية، أبرزها شيوع ثقافة الغاية تبرر الوسيلة، وثقافة الرداءة والانتهازية والوصولية على مفاصل الدولة والمجتمع في معظم بلاد العالم، لكن الحركة تعلم بالقدر نفسه أنّه لا وجود للمستحيل في قاموسها السياسي.  
إننا نسعى لأن يكون لبنان تجسيدا لمنظومة المبادئ والقيم التي عبرنا عنها في هذا الكتاب، فلبنان من منظور الحركة لن يكون دولة إثنية، أو مجرّد مساحة جغرافية خلاّبة، وكتلة استهلاكية جذّابة، بل وطن موحّد ذات رسالة إنسانية، ودولة وطنية موحّدة ذات مهمة حضارية، ونحن قد اخترنا أن نحيا ضميرنا، وأن نكون أحرارا غير تابعين لأية قوة على وجه هذه الأرض.
ويبقى مشروع ثورة 17 تشرين 2019 السياسي التغييري، كما تعبّر عنه حركة "ثورة بلا حدود" في هذا المؤلف، الخميرة الثورية، والقوة الثورية، والطاقة الثورية التغييرية، التي يليق بها أن تعبر بالشعب اللبناني العظيم، إلى رحاب دولة الحداثة التي تليق به، وقد سعت، وهي تستمرّ بالسعي، للتخلّص بمعية كل الوطنيين ودعمهم، من حالة التسلط والاستغلال التي تمارسها السلطة المتخلفة عليه، إرساء لدعائم حكم القانون الصالح، الذي يقوم على أساس احترام الإنسان وحقوقه! 
وتبقى غايتنا التي عبرنا عنها في هذا المؤلف، الأمل الوحيد، والطريق الوحيد، والبديل الصالح المتاح والوحيد، لتحقيق التحول الشامل المرتجى، إلا أن عليها أن تنتصر على ذاتها كشرطٍ لازمٍ وواجبٍ لانتصارها على الظلم الذي تناضل ضده.
فأدعياء الثورة هم الخطر الفعلي على مصير والوطن والدولة الثورة، "وإذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغيّر المدافعين عن القضية، لا أن نغيّر القضية." (غسان كنفاني)؛ ولا اكتمال لمشروع النهوض المنشود، إلاّ بتضافر كل عناصر النهوض، ولا سيما الوعي، محور عناصر هذا النهوض، وإنّا لقادرون! 
عاشت ثورة 17 تشرين... عاشت حركة ثورة بلا حدود... عاش لبنان حرا سيدا مستقلا...