الرئيس القوي وحصته ونظرية المعايير
حجم الخط
الاعلام بمختلف اشكاله، من الصحافة الى المذياع فالقنوات الفضائية ناهيك عن مواقع التواصل الاجتماعي، كلها في حالة تخبّط وشقاق ونزاع، وكيف لا وهي متعدّدة المناهل والمصادر والولاء.
ومن دون مواربة او غموض او بلسمة للامور، فمردّ ذلك، ان منبر الديمقراطية في بلدنا مشرّع الابواب ومفتوح، وجلباب الحرية فضفاض، ومساحتها رحبة وبلا حدود، وباسمها تمارس السياسة بكافة اشكالها وصولا الى العنت والجور والفجور، وليس ثمة قواعد او مبادئ، ولو كان الوطن لا سمح الله آيلا للافلاس او السقوط، فالأنا هي المحور، والأنا هي ضابط الايقاع في كل الامور.
زحام شديد، وضجة كبرى وعقيرة الاصوات عن الحقائب والحصص لا تهدأ، وهل من مزيد، اشتباك على مصاريعه مفتوح، ولو اجتاح الاعراف المستقرّة والمُحكم من المواثيق والنصوص.
لقد اطلّت برأسها ومنذ تم التكليف بتشكيل الحكومة، بما يفيد ويؤكد على ما نقول، بدعة محدثة في قاموسنا السياسي، تدور وتطوف حول مقولة الرئيس القوي، ومع اعترافنا بهذه القوة، فهي من البداهة والطبيعي ان تكون في لبنان، البلد الذي نفاخر بان شعبه متنوع وتعدّدي، مضبوطة ومنضبطة، بعدم تماهيها بعيدا، الى حد اخلالها وخرقها للموازين، ففي ذلك ما فيه من اثارة للحفائظ، وتداعياتها لا تخفى، واكثر من يحرص على عدم ظهورها ووقوعها، هو فخامة الرئيس.
ان القوة التي نسلّم بوجودها لدى الرئيس، هي تلك التي تصنع له الهيبة مع الجميع ولا اقول في مواجهتهم، وعندها لا يحتاج الرئيس الى صقلها وتدعيمها بحصة من هنا وهناك، ففي ذلك محاصرة لصفة الحكم التي يتمتع بها وبما تهدف اليه هذه الصفة بأنه فوق الجميع وعلى مسافة واحدة منهم، وهذه المحاصرة تستتبعها مآلات اخرى تحدّ من قدرة الرئيس وتفقده قوّة التأثير وتصبّ بعيدا عن ما تعهد به في النهج الذي رسمه، وفي برنامجه في الاصلاح والتغيير.
ان قوة الرئيس وهيبته ليستا مرتبطتين بهذا التيّار ولا بذاك الفريق، ولا تستمد من هذه الحقيبة وتلك، فذا كله كان مفهوما عندما كان رئيسا لتكتل نيابي وتيّار سياسي، اما وهو في موقعه الدستوري، كرئيس للجمهورية، فذا يرفعه عن ان يكون في ميدان المحاصصة والمنافسة مع الآخرين، فيصيبه ما يصيبهم من تبعات، ويجعله فريقا بين متساوين بما لا يتناغم ولا ينسجم مع موقعه ومع النص الدستوري.
ان هذا التخصيص المطلوب اعتماده للرئيس، ليس له اساس لا في الدستور ولا العرف والمواثيق، وفيه افتئات على موقع الرئاسة والرئيس لانه يعتبر صمّام الامان والحكم والحكيم بما يحميه من السقوط في متاهات الصراع السياسي الذي لا يتوقف، وهو مستمر على مدار الساعة بين القوى والاحزاب والكتل السياسية، ولا يعرف الهدنة والمرونة ولا اللّين،
وفي هذا السياق، سياق الرئيس القوي، وما درج على ألسنة جهابذة الاجتهاد والتفسير من طرح لنظرية المعايير والاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على اصدار مرسوم تشكيل الحكومة، ان هذه النظرية وذاك الاتفاق، يخال من ظاهرهما انهما يصبّان في مصلحة الرئيس، ومنطلق ذلك عدم جواز ومعقولية ان يكون دور الرئيس بمنزلة الذي يبصم على مشروع مرسوم تشكيل الحكومة الذي يقترحه الرئيس المكلف، ولكن باطنهما ليس فيه مراعاة لمكانة رئيس الجمهورية الذي منحه الدستور صفة الحكم، فنصّ على ان لا تبعة عليه (المادة /60/ من الدستور)، وهذا ما يستمد من القاعدة القانونية، ومن دلالة النصّ الدستوري.
اما القاعدة القانونية فهي: «ان الصلاحيات والمسؤوليات يدوران معا وجودا وعدما».
واما الدلالة، دلالة النص الدستوري الوارد في الفقرة /4/ من المادة /53/ من الدستور ومضمونها: «يصدر (اي رئيس الجمهورية) بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة...».
ان دلالة هذا النص، تحكم هذا «الاتفاق» لكي لا نقول تقيّده، وذلك بمقتضى المادة /60/ من الدستور التي تنص على ان لا تبعة على رئيس الجمهورية، حيث احال الدستور هذه التبعة على رئيس الحكومة، فهي مكرّسة وثابتة في الانظمة البرلمانية، خلافا لما هو معمول به في الانظمة الرئاسية، ذلك ان رئيس الحكومة في ظلّ النظام البرلماني، هو الذي يتحمل كافة التبعات ومنها تبعة تشكيل الحكومة امام البرلمان الذي يناط به دستوريا منح الثقة للحكومة او حجبها عنها، فاذا ما تم حجبها، فان رئيس الجمهورية يستمرّ في ممارسة دوره وصلاحياته، فيدعو الى استشارات نيابية جديدة ملزمة لتكليف من يحوز الاغلبية البرلمانية، فيبقى على رئيس الحكومة المحجوبة الثقة عن حكومته ان يغادر الى منزله.
من هنا، فان رئيس الجمهورية في منأى دستوريا عن هذه اللعبة المحصورة بين البرلمان والحكومة، وبغير هذا المنطق، وفي نظرية (المعايير) و(الاتفاق) والحقائب المخصّصة للرئاسة الاولى، فان سهام الثقة الهزيلة بالحكومة، وحجب الثقة عنها، نصوّبه شئنا ام ابينا الى رئاسة الجمهورية، بما يتناقض مع الهالة التي يتمتع بها الرئيس بموجب الدستور وروحية النصوص والاعراف المستقرّة.
واخيرا، من حقّنا ان نسأل الذين ارغوا وأزبدوا في الحديث عن القوّة، وهم يحملون بغرور رايتها، ألم يطرحوا على انفسهم وبتواضع العارف بالواقع السياسي، والعارف بالتركيبة اللبنانية اين هذه القوة وفائضها وما آلت اليه المشاحنات والسجالات بل والتحديات حول دورها وما الذي ظهر من آثارها في الدفع نحو التشكيلة الحكومية، المؤمّل ان تنجز على وجه السرعة، حرصا على مسيرة النهج الاصلاحي لفخامة الرئيس، بينما مضى على التكليف نحو اربعة اشهر، وليس ثمة ما ينبئ في ظل شدّ الحبال والهرولة وراء الحصص بسقف أو أفق لهذه المراوحة طالما ان اوهام الاوزان والاحجام هي اللغة المسيطرة والبارزة في خضمّ هذا الزحام، وهل ثمة من يتجاهل الحقيقة، حقيقة ان هذا التأخير في تشكيل الحكومة، يأكل من رصيد الرئيس القويّ بينما الاجماع المعلن من كافة القوى السياسية والاحزاب، معقود على انجاحه، ترى كيف الى سبيل للخروج من هذا المأزق، بل من ازمة التشكيل والتحدّيات قائمة والاستحقاقات داهمة؟
ان الوطن ينتظر الحكمة من الرئيس، كما ينتظر ان يكفّ المزايدون عن العزف على مزامير منسوب القوّة، وعن هذه اللغة المملّة فيكفي ان الرئيس يتمتع بهيبة رجل الدولة وصفتي الحكم والحكيم، وبمقدوره فكفكة العقد ووضع الحلول، فهو فخامة الرئيس.






