الوحدة الوطنية بين مقتضيات الشرعية الدستورية ومخاطر الانقسام في الخيارات المصيرية
د. حسين محمود رمال*
يواجه لبنان في المرحلة الراهنة واحدة من أكثر المراحل دقة منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني، بعدما تجاوز الانقسام السياسي حدود التنافس الديمقراطي إلى انقسام أفقي وعمودي أصاب المجتمع والقوى السياسية والمؤسسات العامة، وألقى بآثاره على قدرة الدولة في إنتاج موقف وطني موحّد تجاه القضايا المصيرية. وتزداد خطورة هذا الواقع عندما يرتبط بملفات سيادية كالتفاوض مع العدو الإسرائيلي، لأن أي خيار من هذا النوع يفترض، قبل البحث في آلياته أو نتائجه، توافر قاعدة وطنية جامعة تؤمن بأن الدولة وحدها تشكّل المرجعية الدستورية لإنتاج القرار السيادي، وأن وحدة الموقف الداخلي تمثل مصدر القوة الأول في مواجهة التحديات الخارجية.
فالشرعية الدستورية في الدول الحديثة لا تقاس بسلامة الإجراءات فحسب، وإنما بقدرة السلطة على التعبير عن الإرادة الوطنية الجامعة ضمن الأطر التي رسمها الدستور. وعندما تتقدم الاعتبارات الفئوية على مفهوم الدولة، يتراجع مضمون الشرعية، وتتراجع معه قدرة المؤسسات على حماية السيادة الوطنية. ومن هنا، فإن القضية الجوهرية لا تتمثل في تأييد التفاوض أو معارضته، بل في توفير البيئة الوطنية التي تمنح أي خيار مصيري مشروعيته السياسية والدستورية، وتحول دون استغلال الانقسام الداخلي لتحقيق أهداف تتعارض مع المصلحة العليا للبنان.
أولاً: الانقسام الوطني مدخل لإضعاف الدولة والسيادة
تكشف التجربة اللبنانية الممتدة منذ الاستقلال أن معظم الأزمات الكبرى ارتبطت بانقسام اللبنانيين حول القضايا الوطنية الأساسية، فتحوّلت الخلافات السياسية تدريجياً إلى أزمات دستورية وأمنية واجتماعية انعكست على مؤسسات الدولة ووحدة المجتمع. وقد أثبت التاريخ أن الدول التي تتجه إلى معالجة ملفاتها السيادية من دون وحدة داخلية، تدخل طاولات التفاوض وهي تفتقد أهم عناصر القوة، لأن الانقسام الداخلي يتحوّل تلقائياً إلى ورقة ضغط بيد الطرف المقابل.
ويزداد هذا الواقع خطورة عندما يكون الطرف الآخر عدواً يمتلك خبرة طويلة في استثمار الانقسامات الداخلية وتوظيفها لتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية. فالعدو لا يكتفي بقراءة موازين القوى العسكرية، وإنما يراقب مستوى التماسك الوطني، ومدى انسجام المؤسسات الدستورية، وقدرة الدولة على إنتاج قرار موحّد. وكلما اتسعت دائرة الانقسام، تراجعت قوة الموقف اللبناني، وأصبحت نتائج أي تفاوض عرضة للتشكيك الداخلي، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء اصطفافات جديدة تتجاوز موضوع التفاوض نفسه لتصيب وحدة الدولة في جوهرها.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن لبنان دفع أثماناً باهظة نتيجة هذا المسار. فمنذ اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، مروراً بمراحل الوصاية الخارجية والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ووصولاً إلى الأزمات الدستورية المتعاقبة، بقي العامل المشترك يتمثل في غياب التوافق الوطني حول القضايا الكبرى. وفي كل مرة كان الانقسام يفتح المجال أمام تدخّلات إقليمية ودولية، فتحوّلت الساحة اللبنانية إلى مساحة لتصفية الحسابات، بينما تكبّد الشعب اللبناني خسائر فادحة في أمنه واقتصاده واستقراره، وتعرضت مؤسسات الدولة إلى اهتزازات متكررة أفقدتها جزءاً كبيراً من فعاليتها.
والأخطر من ذلك أن الانقسام الداخلي يولد انقسامات موازية داخل المجتمع، فتتعدد المرجعيات السياسية، وتتباين مصادر القرار، ويضعف الانتماء إلى الدولة لحساب الولاءات الفئوية، فتتراجع هيبة المؤسسات الدستورية، وتتحوّل الدولة تدريجياً من مرجعية جامعة إلى ساحة تنافس بين مشاريع متعارضة، وهو مسار أثبت التاريخ اللبناني أنه يقود إلى مزيد من التصدّع الوطني.
ثانياً: الدستور اللبناني واتفاق الطائف أساس إعادة بناء الوحدة الوطنية
جاء اتفاق الطائف ليؤسس لمرحلة جديدة تقوم على إنهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء الدولة على قاعدة الشراكة الوطنية والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية، وقد اكتسب هذا الاتفاق قيمة دستورية بعد إدماج أحكامه في مقدمة الدستور، فأصبح المرجعية الملزمة لإدارة الحياة الوطنية وصيانة وحدة الدولة.
وتبرز الفقرة (ب) من مقدمة الدستور باعتبارها مدخلاً لترسيخ الهوية الوطنية ضمن انتماء لبنان العربي والتزامه مواثيق جامعة الدول العربية والأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بما يجعل احترام الشرعية الدولية جزءاً من الشرعية الدستورية الداخلية، ويؤكد أن خيارات الدولة الخارجية ينبغي أن تصدر عن مؤسساتها الدستورية وبما يحقق المصلحة الوطنية العليا.
أما الفقرة (ط)، فقد كرّست مبدأ أن أرض لبنان واحدة لكل اللبنانيين، وأن السيادة تمارس على كامل الإقليم دون تجزئة، وهو مبدأ يفرض حكماً وحدة القرار الوطني في كل ما يتصل بالقضايا السيادية، لأن حماية الأرض ترتبط عضوياً بحماية وحدة الدولة والشعب والمؤسسات، وتنتفي فعاليتها عندما تتعدد المرجعيات السياسية في معالجة الملفات المصيرية.
وتؤكد الفقرة (ي) أن شرعية أي سلطة ترتبط باحترام ميثاق العيش المشترك، وهو نص يتجاوز البُعد السياسي إلى تأسيس قاعدة دستورية مؤداها أن الاستقرار الوطني يتحقق بالحوار والتوافق والاحتكام إلى المؤسسات، وأن أي ممارسة تؤدي إلى تعميق الانقسام أو إضعاف الدولة تتعارض مع الغاية التي ابتغاها المشترع الدستوري عند إقرار وثيقة الوفاق الوطني.
ومن ثم، فإن الدستور اللبناني لا يقدم حلولاً تقنية فحسب، بل يرسم فلسفة متكاملة لبناء الدولة، قوامها الوحدة الوطنية، والتوازن بين المكونات، واحترام المؤسسات، واعتماد الحوار وسيلة لمعالجة القضايا الخلافية، باعتبار أن الدولة تشكّل الإطار الوحيد القادر على حماية الجميع من مخاطر الانقسام.
ثالثاً: الحوار الوطني مسؤولية دستورية قبل أن يكون خياراً سياسياً
إن المرحلة الراهنة تستوجب إطلاق حوار وطني شامل تحت سقف الدستور واتفاق الطائف، يهدف إلى إعادة إنتاج الثقة بين اللبنانيين، وتحديد الثوابت الوطنية التي تحكم الخيارات المصيرية، وفي مقدمتها قضايا الأمن والسيادة والعلاقات الخارجية والتفاوض، بحيث تصبح هذه الملفات نتاج توافق وطني جامع، بعيداً عن منطق الغلبة أو الاستقطاب.
فالحوار الوطني المطلوب لا يرمي إلى تعزيز موقع فريق سياسي أو تكريس موازين قوى مؤقتة، وإنما إلى تعزيز الدولة نفسها، وترسيخ مرجعيتها الدستورية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات بوصفها الإطار الطبيعي لاتخاذ القرارات الوطنية. كما أن نجاح الحوار يقتضي التزام جميع القوى السياسية بأن المصلحة الوطنية تسمو على الاعتبارات الحزبية، وأن وحدة لبنان تشكل القيمة الدستورية العليا التي ينبغي صونها في كل الظروف.
لقد أثبتت التجارب المقارنة أن الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها الكبرى اعتمدت الحوار الوطني بوصفه مدخلاً لإعادة بناء الشرعية الداخلية، بينما قاد الإصرار على الانقسام إلى انهيار مؤسسات الدولة واستنزاف مقدراتها. ولبنان، بحكم تركيبته الدستورية وتعدديته السياسية، يبدو أكثر حاجة من غيره إلى ترسيخ ثقافة الحوار، لأن استقراره يرتبط مباشرة بقدرة مكوناته على إنتاج رؤية وطنية مشتركة تحصن الدولة وتمنع تحويل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي.
كما أن أي تفاوض مع العدو، أياً تكن طبيعته أو أهدافه، يظل فاقداً لأحد أهم عناصر القوة عندما يفتقر إلى الإجماع الوطني، لأن الطرف المقابل يدرك أن الانقسام الداخلي يحد من قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها أو الدفاع عن حقوقها، فيسعى إلى استثماره لتحقيق مكاسب إضافية. أما وحدة الموقف الوطني، فتشكل بحد ذاتها رسالة قوة، لأنها تؤكد أن الدولة تتحدث بصوت واحد، وأن جميع مؤسساتها تقف خلف القرار السيادي.
وبناءً عليه،
تكشف التجربة اللبنانية، بكل محطاتها المؤلمة، أن الانقسام الوطني لم يكن يوماً طريقاً إلى بناء الدولة، بل شكّل المدخل الأخطر إلى إضعافها واستباحة سيادتها واستنزاف قدراتها. وكلما انقسم اللبنانيون حول القضايا المصيرية، اتسعت مساحة التدخّل الخارجي، وازدادت كلفة الأزمات على الدولة والشعب والمؤسسات. أما التوافق الوطني، فقد أثبت أنه يشكّل الركيزة الأساسية لصون الاستقرار، وتعزيز الشرعية الدستورية، وتمكين الدولة من ممارسة سيادتها بكامل عناصرها.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى مبادرة وطنية جامعة تعيد الاعتبار للحوار تحت سقف اتفاق الطائف، وتستند إلى أحكام الدستور، ولا سيما الفقرات (ب) و(ط) و(ي) من مقدمته، باعتبارها ثوابت دستورية تؤسس لوحدة الوطن ووحدة الشعب ووحدة القرار. فتعزيز الدولة يمثل المدخل الطبيعي لحماية جميع اللبنانيين، ويؤسس لمرحلة تتقدم فيها المصلحة الوطنية على الاعتبارات الفئوية، ويغدو فيها الاحتكام إلى الدستور قاعدة ثابتة لإدارة الاختلافات.
إن لبنان الذي صمد في وجه الحروب والأزمات يمتلك من الإرث الحضاري والدستوري ما يؤهله لاستعادة عافيته متى اجتمعت الإرادة الوطنية حول مشروع الدولة. فالرهان الحقيقي يكمن في بناء وحدة وطنية صلبة تحول دون تكرار معادلة الانقسام ثم الصدام ثم الدمار، وترسخ ثقافة دستورية تجعل الدولة المرجعية الوحيدة للقرار، وتصون الوطن من كل محاولة لاستغلال تبايناته الداخلية. فحماية لبنان مسؤولية وطنية ودستورية وأخلاقية، تفرض الالتفاف حول الدولة، وصيانة وحدتها، وترسيخ سيادتها، حتى يبقى هذا الوطن، بما يحمله من رسالة حضارية وإنسانية، جديراً بأن يوصف بأنه إحدى أجمل الهبات التي أنعم الله بها على البشرية.
* باحث اكاديمي حقوقي في القانون الدولي والدستوري






