بين مفاوضات روما... وحقوق لبنان المؤجّلة.. بيروت تطالب...
لا ينتظر اللبنانيون من مفاوضات روما أن تمنحهم وطناً جديداً، بل ينتظرون دولة تتصرف كدولة. فالمواطن الذي يعيش يومياً مأساة انقطاع الكهرباء، وغياب المياه، وارتفاع الفواتير، واتساع الفوضى، وانتشار المخدرات، وتراجع الأمن، لا يعنيه عدد الاجتماعات ولا البيانات، بقدر ما يعنيه سؤال واحد وهو متى تستعيد الدولة مسؤولياتها؟
إن أي اتفاقا لا يضع مصلحة لبنان، وسيادته، واستقرار مؤسساته، وكرامة شعبه، وإنقاذ اقتصاده، في صلب أولوياته، يبقى اتفاقاً ناقصاً مهما بلغت أهميته.
من هنا تبدأ قضية بيروت، ليس لأنها مدينة عادية، بل لأنها عاصمة لبنان السياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية، وإذا ضعفت العاصمة ضعف الوطن كله. ومع ذلك، ما زالت بيروت تدفع فاتورة المياه السنوية المرتفعة والمتزايدة عام بعد عام فيما لا تروي المياه عطش أهلها الذين يضطرون إلى شراء المياه مرة ثانية وثالثة وعلى نفقتهم الخاصة، يدفعون فاتورة الكهرباء، ويدفعون معها فاتورة المولدات الخاصة، فيما يبقى الانقطاع هو القاعدة.
في هذا الصيف الحار أصبحت ثلاجاتنا ساخنة، ومياهنا ساخنة، وحتى شربة الماء باتت بطعم القهر. فأي دولة تلك التي تتقاضى ثمن الخدمة ولا تقدّمها؟ وأي عدالة تجعل المواطن يدفع مرتين وثلاث مرات ليحصل على أبسط حقوقه؟
ولا تتوقف معاناة بيروت عند الخدمات، بل تمتد إلى السرقات، وانتشار المخدرات، وتراجع الشعور بالأمان، وفرض النفوذ خارج إطار القانون في بعض الشوارع والأحياء، بما يهدد راحة الناس، ويؤثر في أرزاق أصحاب المؤسسات والمتاجر، ويزرع القلق في نفوس العائلات.
لتبقى قضية بيروت ليست قضية ماء وكهرباء فقط، بل قضية عدالة أيضًا. فبيروت لا تطالب بامتيازات، ولا تطلب حقًا على حساب أي منطقة لبنانية، بل تطالب بالمساواة التي كفلها الدستور، وبحق أبنائها في الوظيفة العامة على أساس الكفاءة، وفي المشاركة في الإدارة العامة، وفي أن تقوم التعيينات على معايير العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، وأن تعتمد الوزارات معياراً واحداً في توزيع المشاريع والخدمات والاعتمادات بين جميع المناطق.
فمن حق أهل بيروت أن يسألوا: من يتحمّل المسؤولية؟
إنها المسؤولية التي تقع على الوزارات المعنية، كل ضمن اختصاصه، في الكهرباء، والمياه، والأشغال، والداخلية، والبيئة، والصحة، وسائر الإدارات التي يقع على عاتقها واجب خدمة المواطنين، وبالموازاة تماما تقع المسؤولية على نواب بيروت الذين منحهم الناس ثقتهم للدفاع عن العاصمة ومتابعة قضاياها ومحاسبة المقصّرين. كما تقع على بلدية بيروت، والمخاتير، والجمعيات والهيئات الأهلية والاقتصادية التي يفترض أن تكون صوت المدينة لا أن تكتفي بمراقبة تراجعها.
كما تقع على التجار وأصحاب المؤسسات، وعلى المحامين ورجال القانون، وعلى النقابات المهنية، والجامعات، والكتّاب، والمثقفين، والإعلاميين، لأن الدفاع عن بيروت ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية مجتمع كامل يؤمن بأن العاصمة قضية وطنية وليست قضية موسمية.
لقد اعتاد أهل بيروت أن يسمعوا أصواتًا ترتفع قبل كل انتخابات، وشعارات كبيرة تُرفع باسم العاصمة، ثم تختفي بعد انتهائها، وكأن بيروت وسيلة للوصول لا مشروعاً للاستمرار. إن بيروت تحتاج إلى من يرفع صوتها كل يوم، لا إلى من يتذكّرها عندما يحتاجها لغاياته ولمصالحه، فأخطر ما يصيب أي قضية وطنية أن تموت بعد إنتهاء كل إستحقاق وأن تتحوّل الوعود إلى ذكريات، فيما تبقى معاناة الناس على حالها.
بيروت لا تطلب المستحيل. إنها تطلب دولة تحترم دستورها، وماءً يصل إلى بيوتها كما تصلها الفواتير، وكهرباءً تنير البيوت بدل أن تثقل جيوب المواطنين، وشوارع آمنة يحكمها القانون وحده، وخطة حقيقية لمواجهة المخدرات والجريمة، وحماية لأرزاق الناس، وإدارة شفافة، ووظيفة عامة معيارها الكفاءة، وعدالة في التعيينات، وإنماءً متوازنًا، ووزارات تتعامل مع العاصمة كما تتعامل مع سائر المناطق بالمعيار نفسه.
هذه ليست مطالب بيروت وحدها، بل مطالب كل لبناني يحب وطنه ويريد أن يعيش في دولة تحترم نفسها وتحترم مواطنيها، دولة تحاسب وتحمي الحقوق، وتصون الكرامات.






