اتفاق الإطار بين مخالفة القانون والضغوط الأميركية - الإسرائيلية
لا شك أن الجدل الدائر حول شرعية «اتفاق الإطار» الموقّع بين لبنان وكيان الاحتلال الإسرائيلي لم يفضِ، حتى الآن، إلى نتيجة بنّاءة. فلا الدولة التي دعمت الاتفاق ووقّعته قادرة على تبنّي صيغة منقوصة الشرعية وترجمتها إلى واقع تنفيذي، ولا المعارضة تمكّنت، حتى اللحظة، من تجاوز خطاب الرفض والاستنكار إلى خطوات عملية مؤثرة.
فالحديث لم يعد يقتصر على اتفاق أمني بين بلدين تحكمهما حالة عداء منذ قيام الكيان الإسرائيلي واحتلاله فلسطين، ولا على عدد البلدات التي يُفترض أن تنسحب منها إسرائيل، أو حجم القطعات العسكرية التي سيسمح الاتفاق للجيش اللبناني بالانتشار فيها.
فكلما تقدم النقاش في تفاصيل الورقة الأمنية، عاد الواقع الميداني ليفرض نفسه بقوة، بفعل استمرار الاحتلال في خرق اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جاء نتيجة تفاهم إسلام آباد، مواصلاً حصد المزيد من الضحايا المدنيين، وكان آخرها الاعتداء على النبطية الفوقا، الذي أسفر عن اغتيال أربعة مواطنين، بينهم مديرة مدرسة النبطية الفوقا، الشهيدة إسبيرانزا غندور.
وهنا يبرز السؤال الملحّ: لمصلحة من يجري كل ذلك؟ وأين يقف لبنان الرسمي مما يحدث؟ وهل سلّمت الدولة بالأمر الواقع، رغم ما يصفه المعارضون بتشويه الاتفاق نتيجة افتقاره إلى الشرعية الوطنية والدستورية؟
وتقول مصادر متابعة إن فجوة الخلاف حول شرعية ما قامت به الدولة آخذة في الاتساع، وإن ما يسعى إليه رئيس الجمهورية من تحصين لقرار التفاوض عبر مظلة قانونية، تجلّت مؤخراً في بياني نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس، لم يؤمّن للسلطة الغطاء المطلوب؛ إذ إن قراراً بهذا الحجم يستوجب إجماعاً وطنياً وتشريعاً نيابياً، بات واضحاً أنه لن يتوافر في المدى المنظور.
فبعد موقف الثنائي الوطني الرافض لمخرجات اتفاق الإطار، برزت أيضاً مواقف عدد من القيادات المسيحية والدرزية. ويختصر موقف الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط جانباً من المشهد، إذ وصف الاتفاق بأنه أحادي الجانب، لا يحقق للبنان أي مصلحة، بل يلبّي طموحات الاحتلال وأطماعه. وهو موقف يلتقي، إلى حد كبير، مع ما عبّر عنه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، فضلاً عن مواقف قوى سياسية وطوائف لبنانية أخرى ترى أن الإطار المطروح يطوق لبنان ويجعله رهينةً للمشروع الإسرائيلي.
وهنا تطرح أسئلة عديدة: من يملك حق إلزام لبنان بهذا المسار؟ وهل أوقع فريق التفاوض اللبناني الحكومة في اتفاق مبهم يفتقر إلى الوضوح في بنوده وآليات تفسيره وتنفيذه؟ أم إن المرجعية هي المؤسسات الدستورية التي يفترض أن تناقش الاتفاق وتبتّ فيه؟ أم أن الكلمة الفصل ستبقى للوسيط الأميركي الذي يتولى رعاية الاتفاق وتفسير آليات تطبيقه بين الطرفين؟
ومن هنا، يظهر حجم الالتباس في ما تقدمه الدولة بوصفه خطوةً لاستعادة السيادة اللبنانية. ففي الوقت الذي يتحدث فيه الاتفاق عن انسحاب إسرائيلي، وانتشار الجيش، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين، ووقف الأعمال العدائية، يفتح النص نفسه الباب أمام أسئلة إضافية تتعلق بجوهر السيادة، من آليات اتخاذ القرار، إلى دور مجلس النواب، وحدود التفويض الممنوح للجانب الأميركي، وحق لبنان في اللجوء إلى المحافل الدولية لمحاسبة إسرائيل على الجرائم التي ارتكبتها خلال الحرب، وصولاً إلى موقع لبنان في خريطة التسويات الإقليمية، وما إذا كانت هذه الخطوات تمهد لمسار سلام أو تطبيع مع الكيان الإسرائيلي. وإزاء هذا الواقع، وما تشهده الساحة اللبنانية من تصدّع في العلاقات بين المؤسسات الدستورية، ولا سيما بين الرئاستين الأولى والثانية، عاد الضغط الأميركي ليدخل بقوة على خط الأزمة، في محاولة واضحة لحماية ما تعتبره واشنطن إنجازاً سياسياً في هذه المرحلة، رغم التباين الذي ظهر مؤخراً بشأن نقل مكان المفاوضات من واشنطن، التي يتمسّك بها لبنان، إلى روما، وهو ما بررته الولايات المتحدة بأسباب تقنية. وفي هذا السياق، جاءت الجولة السريعة التي قام بها السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، والتي لم تقتصر على الشرح والتوضيح، بل هدفت، بحسب مصادر متابعة، إلى رسم الخطوط العريضة لاستكمال اتفاق الإطار، ولا سيما في ما يتعلق بمسألة سلاح حزب الله، وبسط سلطة الجيش اللبناني جنوباً، بعد طلب أميركي يقضي بتولي الجيش السيطرة على المرتفعات وتسلمها من الحزب، مقابل تنشيط الانسحابات الإسرائيلية الجزئية من بعض المناطق اللبنانية المحتلة. وبين الآلية التنفيذية للاتفاق، وما يحيط بها من صعوبات، وبين الشرعية التي يسعى لبنان إلى تأمينها داخلياً لتقوية موقع فريقه المفاوض، ترى المصادر أن الاختبار الحقيقي لا يقتصر على قدرة اتفاق واشنطن على التحوّل إلى إطار تنفيذي، بل يتجاوز ذلك إلى اختبار شرعيته السياسية والدستورية، بما قد ينقل لبنان إلى مرحلة جديدة، من دون أن يكون واضحاً ما إذا كانت مؤسساته قادرة على مواكبة هذا التحول أو مساءلته ضمن الأطر الدستورية، ولا سيما في ما يتعلق بالطبيعة القانونية للنص وآليات تفسيره.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل سيتمكن الاتفاق من تجاوز المطبات القانونية، أم سيصطدم بحاجزين أساسيين، هما غياب الشرعية والانقسام الداخلي؟ وعندها، هل يبقى اتفاق الإطار اتفاقاً مفخخاً، سواء بفعل استحالة تطبيقه وما قد يدفع الاحتلال إلى نسفه، أو بفعل حراك شعبي يعيد لبنان إلى ذاكرة السابع عشر من أيار عام 1983؟
وفي كلتا الحالتين، يبقى لبنان يدور في دوامة المخاطر، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.






