بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 حزيران 2026 12:10ص بين نعمة السلام العادل ونقمة التفاوض المشروط «لبنان يلعب آخر أوراقه»!

حجم الخط
من أبسط معايير التفاهم بين طرفي نزاع هو إيجاد مساحة من الشفافية والوضوح المرتكزة على عدالة وإنصاف القضايا الخلافية. هذا فيما خص التخاصم بين الدول المتصالحة أصلا، ولكن عندما يتعلق الأمر بعدو استفحل قتلا وتدميرا وتشريدا على مدى مراحل وجوده، فهنا لا بد من التوقف مليّا أمام ما يحصل ولا سيما ان العدل بميزان الحساب لا يمكن أن يساوي بين جلاد وضحية، أو بين مغتصب لأرض ومدافع عنها، أو بين قاتل للأطفال والنساء ومدمر للكنائس والمساجد والصروح الطبية حمتها المعاهدات والأعراف والمواثيق الأممية وحارسها وراعيها ومدبر شؤونها..
ثمة سؤال مشروع يطرح حول إسراع لبنان عبر الفريق المفاوض مع «كيان إسرائيل» بوساطة أميركية بالموافقة على بيان يجرّد لبنان من قوته الحقيقية، ويجعله مكشوفا أمام شروط إسرائيل التي لم ولن تنتهي حتى استكمال مشروعها التوسّعي وفتح مساحة نشطة أمام استمرار عدوانه المرتبط بشروط شبه تعجيزية كونها تتعلق باقتلاع شعب من أرضه حماية لأمن مستوطناته الشمالية، بإيجاد منطقة عازلة ومعزولة عن الوطن إلّا بالاسم والخريطة الجغرافية.
تقول المصادر المتابعة؛ ان استمرار الاحتلال دون زمن وعلى وقف غير نهائي للحرب، وفق ما تضمنه البيان المشترك «اللبناني - الإسرائيلي - الأميركي»، وقبول السلطة اللبنانية بالمطالب الإسرائيلية، وفصل الملف اللبناني عن مسار مفاوضات إسلام اباد، قد يجعل من لبنان أكثر ضعفا واستسلاما أمام الآخرين. والأكثر من ذلك هو تحميل من يدافع عن الأرض مسؤولية استمرار الحرب ووصفه بعدو لبنان، سابقة خطيرة تمهّد لضرب البنية الاجتماعية اللبنانية، وتدفع نحو «حرب أهلية» يريدها الاحتلال، متناسية في نفس الوقت العدوان المستمر والتهجير القصري وجرف البيوت واستباحة البلاد جوا وبرا وبحرا.
وتعتبر المصادر هذه الموافقة التي وصفتها بالمتسرّعة بأنها لن تحقق مطالب اللبنانيين في سلام حقيقي، مستشهدة بالتجربة الفلسطينية التي لم تؤتِ ثمارها رغم كل تنازلات سلطة «رام الله».
ماذا يقول البيان:
أولا - اتفق لبنان وإسرائيل على تنفيذ وقف لإطلاق النار. ويُشترط لبدء سريان وقف إطلاق النار التوقف الكامل لنيران حزب الله وإخلاء جميع عناصره من منطقة جنوب الليطاني. وهذا يعني ان يد إسرائيل ستبقى حرّة في استعمال القوة واستباحة لبنان من جهة وتفريغ جنوب الليطاني من جهة ثانية، إذ ان ما تحدث عنه البيان بعناصر حزب الله يشمل السواد الأعظم من الجنوبيين أصحاب الأرض.
ثانيا - اتفق الطرفان، بتوجيه من الولايات المتحدة، على الإسراع في إنشاء مناطق تجريبية تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأراضي، مع استبعاد جميع الجهات المسلحة غير التابعة للدولة. وهذا أيضا يدفعنا الى التساؤل مجدّدا ماذا عن إسرائيل التي تحتل جزءا كبيرا من الأراضي اللبنانية. ولم تتوقف جرافاتها عن تدمير المنازل وجرف الأراضي ومسح هوية القرى عن الخريطة. وإذا كان الجيش هو المعني ببسط السلطة، تتساءل الأوساط؛ ألم يكن الجيش منتشرا على كامل الحدود وأنجز باعتراف لبنان الرسمي تسعين بالمئة من مهمة تجريد السلاح وحصره، وحينها لم تتوقف إسرائيل وعلى مدى خمسة عشر شهرا عن القتل والاغتيال والغارات على كامل الأراضي اللبنانية؟ 
ثالثا - أكدت جميع الأطراف مجدّداً أن مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل يجب أن تقرره الحكومتان السياديتان وحدهما. كما رفضت أي محاولة من أي دولة أو جهة غير حكومية لاحتجاز مستقبل لبنان أو التحكم به . وهذا يفتح باب التعجب، كما تقول المصادر، من فصل لبنان عن محيطه العربي والإسلامي، في وقت يكون الهدف من هذه الفقرة هو الاستفراد الأميركي تبعا لأجندة قديمة جديدة.
وربما ما يعزز هذا الكلام هو موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي وصف الاتفاق بالهجين بقوله؛ ان وقف إطلاق النار يجب أن يكون كاملاً وشاملاً دون قيد أو شرط براً وبحراً وجواً ودون تجريفٍ وهدم. وما تم الإعلان عنه تم تفخيخه بمناطق تجريبية دون دخول أي جهات فاعلة. بدلاً من هذا الاتفاق الهجين، كان يمكن أن نقرأ «إيجاباً» في بداية النص لو تضمّن وقفاُ لإطلاق النار دون قيد أو شرط.
وبالتالي، ان ما يقدمه لبنان أبعد بكثير من مفاوضات تستدعي هدوءا وأمنا للبنان رغم المساعي المبذولة من قبل الدولة لتجنيب لبنان الأسوأ من السيناريوهات. ان ما يتصل بالخواتيم يبقى مرهونا بالفعل الإسرائيلي على الأرض أكان لناحية انسحابه، ووقف عدوانه في وقت تبقى المواقف المعترضة مشروعة لحين انكشاف النوايا الإسرائيلية.
فهل سيتمكن لبنان من تعطيل فتيل فتنة داخلية تعتمد في الأساس على تباعد وجهات النظر والانقسام حول تحديد هوية لبنان المستقبلية؟ 
أم ان ما يخطط له قد يتجاوز رغبة جميع اللبنانيين في زمن أصبحت فيه المصالح والتسويات أكبر من التفاهم والتحالفات؟!