بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 حزيران 2026 12:20ص عن الأفندي الرشيد الرئيس الذي لم يترك مذكراته

حجم الخط
إستُشهد الرئيس رشيد كرامي وهو في قمة العطاء السياسي الوطني العروبي يوم الأول مِن شهر حزيران 1987، مِن دون أن يترك مذكرات سنواته السياسية الثرية، ربما لأنه ما زال في النصف الأول من الستينات وأمامه المزيد من السنين إذا شاء الله لكي يحذو حذو الذي فعله الرؤساء بشارة الخوري وكميل شمعون وشارل حلو وصائب سلام الذين كتبوا بخط اليد وقائع عاشوا بعض سنواتها وعايشوا وقائع ما بعد الترؤس.
... أما وأن الرئيس الأفندي لم يحقق ذلك ولم يعمل أيضاً على جمْع نشْر مذكرات والده ونشْرها وليس هنالك ما يشير إلى أن ما لم يقم به جمعاً للأوراق والمذكرات وريثه الرئاسي شقيقه عمر، معقود الأمل أن يؤدي هذا الواجب فيصل كرامي (على نحو ما فعل الرئيس تمَّام سلام) كنوع من التكريم لعمه الرئيس الأفندي، فإنني سأحاول في ما يلي مِن السطور تسجيل وقائع تفيد جيليْن من اللبنانيين: جيل الذين غابت عنهم وسْط زحمة العدوان والتفجيرات والإغتيالات وعمليات الخطف والتصفيات على الهوية في سنوات 1975- 1990، وجيل الأبناء والأحفاد الذين عندما نروي أمامهم ما جرى في وطنهم مِن جنون القتل الذي شمل حتى كبار الشأن مِن رشيد كرامي إلى بشير الجميل إلى رينيه معوض إلى رفيق الحريري.. قامات سياسية لا تعوَّض، يتساءلون: لماذا يفعل الأسلاف ذلك.
في بداية الأزمة التي أعقبت إندلاع شرارة الحرب الأهلية يوم الأحد 13 نيسان 1975 حيث أدى الإعتداء إلى مقتل 36 فلسطينياً داخل «بوسطة» مارة في محلة «عين الرمانة» إرتأى الرئيس سليمان فرنجيه أن حكومة يترأسها رشيد كرامي هي العلاج لإستدراك ما قد بات أعظم. وعندما تقاطعت مصالح أهل السياسة والأحزاب والطوائف وطُلب من رشيد كرامي إلتقاط رغبة الإنقاذ هذه، فإن رد فِعْله تمثَّل بقوله مصوِّباً على البعض المتحفظ على تكليفه تشكيل الحكومة «كنتُ قد تردَّدتُ عندما رشَّحني زملائي النواب، وأنا لستُ راكضاً وراء الرئاسة لأنها ليست أكْلة حلاوة. وحتى لو كنتُ أرغب فعلاً برئاسة الحكومة فهم غير راغبين بي، ومع ذلك فأنا مستعد للقبول إذا كان ذلك يساهم في حل المشكلة. فالمهم ليس رئاسة الحكومة بل المصلحة العامة...».
ومِن بين الرسائل ذات الأهمية التي تلقَّاها رشيد كرامي وكان العنف يزداد عصفاً طائفياً بلبنان وبالتالي بالحكومة التي يترأسها، رسالة مِن وزير الخارجية الأميركية الدكتور هنري كيسينجر بتاريخ 5 تشرين الثاني 1975 جاء فيها الآتي: «عزيزي دولة رئيس الوزراء. إن حكومتي تأمل كل الأمل في أن ينتهي القتال في لبنان وهي تؤيد كلياً حكومتكم في جهودها الرامية إلى تحقيق هذا الأمر. إننا نتمنى لكم التوفيق في جهودكم لتشجيع جميع المعنيين على أن يتحلوا بالإعتدال وروح التسوية اللذيْن يبدوان ضرورييْن لإنهاء العنف والبدء بعملية سياسية تؤدي إلى أُسس جديدة من الإستقرار. وكما قلنا سابقاً إن هدفنا هو أن نرى حلاً يحفظ إستقلال لبنان وسلامة أراضيه وتماسُكه ووحْدته الوطنية. الرئيس فورد شاركني في تمنياتي الشخصية لكم...». (لماذا لا تكون دبلوماسية الزمن الترمبي تجاه لبنان بمثْل رقي التعامل الذي تعكسه رسالة كيسينجر إلى رشيد كرامي وتمنياته وتمنيات رئيسه أيضاً له).
في علاقة رشيد كرامي مع «سوريا حافظ الأسد» محطة لافتة تتمثل في زيارة قام بها إلى دمشق (الإثنين 22 كانون الأول 1975) جرى نُصحه بعدم الإنتقال جواً في طوَّافة لكنه أصر على التوجه براً ليفاجأ بإستقبال سوري متميز عند الحدود وليكتمل التميز بأن الرئيس الأسد أبقى رئيس الحكومة محمود الأيوبي ووزير الخارجية عبدالحليم خدَّام لمدة عشر دقائق ليعقد بعد ذلك مع كرامي محادثات دامت ثلاث ساعات أعقبتْها دعوة كرامي إلى تناول الغداء مع الرئيس الأسد ثم ليعود إلى بيروت بطائرة من نوع «أنطونوف» وضَعها الأسد بتصرَّفه تكريماً له. لكن كرامي ما لبث أن قدَّم إستقالته لاحقاً بعدما لم يصمد إتفاق وقْف إطلاق النار في سائر أحياء العاصمة وبعض المناطق.
ترشيح الرئيس رشيد كرامي للقُطب الشهابي الياس سركيس حلاً للعقدة الرئاسية الناشئة عن إستقالة غير إختيارية للرئيس سليمان فرنجيه جاء بالكلمات الآتية:«قررْنا ترشيح الأستاذ الياس سركيس داعين إلى الله التوفيق بمؤازرة الجميع، ذلك لأن هذا المركز كغيره هو تكليف وليس بتشريف. على أن هذا لا يعني إنتقاصاً مِن قدْر الآخرين، بل إننا نقدِّر كل واحد يطمح إلى هذا المركز، لكن المطلوب واحد والمرشَّحين كثيرون. فإذا لم يحصل الإجماع عليه نثق بأن التنافس سيكون رياضياً، آملين الخير لهذا الشعب راجين أن يكون الإستقرار والأمن السبيل إلى عودة الحياة الطبيعية...». ولقد تم إنتخاب الياس سركيس رئيساً للجمهورية يوم 8 أيار 1976 قبْل ستة أشهر مِن موعد تسلًّمه سدة الحُكم في أيلول طِبقاً للدستور. لكنه منذ البداية وجد نفْسه يواجه تعقيدات ما كان ليتجاوب لو توقَّع حدوثها مع سعي صديقه رشيد كرامي للإتيان به رئيساً للجمهورية. وقد بقيت ظروف هذه التعقيدات تعصف بوجدانه إلى أن توفي بعد فترة من إنتهاء ولايته في باريس التي إختار شقة في أحد أحيائها الراقية مقراً لإقامته كانت في الواقع للعلاج أكثر منها للراحة. وقد أمضى الأشهر القليلة التي عاشها مريضاً في باريس يتأمل في سنوات حُكْمه الكثيرة الصعوبة وصديقه الرئيس رشيد كرامي في البال وكيف أنه لم ينسجم مع النظام السوري الذي جيء به رئيساً بإشارات من الرئيس حافظ الأسد وكان يتطلع إلى أن يكون بشير سيخلفه وكان في نظره بمثابة الإبن، لكن تمت تصفية الشيخ بشير الجميِّل وزادت أحزان الرئيس الياس سركيس.
ولقد بات الإثنان العازبان، اللذان آثرا عدم الزواج وإنشاء عائلة تضم الأبناء والبنات، في ذمة الله تباعاً وكلاهما لم يتركا للأجيال مذكراته التي تكشف الستار عن مواقف ووقائع تثري التاريخ الحديث للبنان الذي على موعد مع قيامة بعد طول عقود من عذاب بالغ القساوة.