تدويل نفط لبنان وتدويل استقراره؟!
حجم الخط
خصصت الولايات المتحدة الأميركية دبلوماسياً معروفاً ونشطاً هو ديفيد ساترفيلد، الذي يعرف لبنان جيداً، وبعض اللبنانيين ينظرون إليه كشخصية برغماتية، قريبة من تفكيرهم، ويمكن الاعتماد عليها، في التأثير لدى الإدارة الأميركية، أية ادارة!
تكليف ساترفيلد، الذي يقترب من إمضاء أسبوعين بين بيروت وتل أبيب، استبق وصوله وصول ناظر الخارجية الأميركية، الخبير في شؤون النفط، وشركات الطاقة، قبل أن يختاره دونالد ترامب لإدارة دبلوماسية بلاده التي تجمع بين جنون «العظمة الترامبية» ومتطلبات التفاوض، باستخدام العصا والجزرة، التي يمكن أن تلجأ إليها دولة عظمى كالولايات المتحدة، وعبَّر في ما عبَّر عن أن إدارة ترامب معنية بنفط لبنان وغازه، مستندة إلى قوة التحالف مع الدولة العبرية، والهيمنة على سياسات دول مثل قبرص واليونان، فضلاً عن التأثير إلى حدّ ما في القرار التركي، على الرغم مما يربط حالياً تركيا الأردوغانية مع روسيا فلاديمير بوتين، المتوثّب دائماً لمواجهة التفرُّد الأميركي..
أبعد من هذا الاهتمام الرسالة الأميركية التي تقضي أن السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، هي من الآن فصاعداً منطقة نفوذ أميركي، وأن النزول الأميركي في البر السوري، والاشتباك المباشر مع المحور الروسي - التركي- الإيراني، الذي لم يُشكّل بعد، هو حقيقي، وواقعي، وجدّي، سواء في عفرين أو دير الزور، سواء بالواسطة عبر وحدات الحماية الكردية، أو مباشرة عبر الغارات والاستهدافات التي عادة ما تبرّر بالخطأ، او استهداف وحدات نظام الأسد والحلفاء الذين يقاتلون إلى جانبه أو أمامه..
سيمضي وقت، تقتضيه طبيعة العمل الدبلوماسي، أو تطوّر الصراع الأميركي - الروسي - الإيراني حول السيطرة الاستراتيجية على البحر المتوسط، سواء في ما خص حركة السفن والتجارة، والتدخلات العسكرية، أو الثروة النفطية والمعدنية، بما في ذلك الغاز، قبل أن تنكشف حقائق جديدة حول طبيعة المحادثات الجارية في ما خص تمسك لبنان القاطع، بملكية البلوك 9، وإعلان إسرائيل على لسان وزير دفاعها افيدغور ليبرمان أن ملكية «البلوك 9» تعود لإسرائيل..
من المؤكد أن اسراع لبنان إلى تلزيم البلوك 4 والبلوك 9 عبر توقيع عقود في 9 شباط الجاري، مع شركات دولية هي «توتال» الفرنسية و«ايني» الإيطالية، و«توفاتيك» الروسية للتنقيب عن النفط والغاز، مع أن أعمال التنقيب، سوف لن تشمل 8٪ من رقعة البلوك 9، المتنازع عليه بين بيروت وتل أبيب، حرَّك «التنافس الدولي» على ثروة لبنان النفطية، قبل أن يبدأ باستثمار هذا المورد الطبيعي الحيوي، لإطفاء مديونيته، وتحويل البلد إلى بلد نفطي، قادر على تطوير اقتصاده، وتحويله لمنفعة الشعب اللبناني، الذي يُعاني الأمرَّين، في البحث عن أماكن هجرة، بعدما كادت الأرض تضيق بسكانها، والأوطان بساكينها، والثروات بالباحثين عن خبراتها ورفاهها..
في المناقشات الجارية، والطروحات التي منها ما سُرِّب، ومنها ما بقي طي الكتمان، بدت الولايات المتحدة، وفقاً لما نُقل عن السفير ساترفيد، أكثر اقتراباً من الطرح الإسرائيلي، وابتعاداً عن وجهة النظر اللبنانية: بدت المعادلة الأميركية - الإسرائيلية بالغة الاستفزاز: إما السير باقتراح هوف، الذي يعترف للبنان بـ60٪ من 800 كلم2 التي تشكّل المنطقة الاقتصادية الخالصة للمياه اللبنانية، وإما إيقاف العمل بالبلوك 9، الذي يراه المسؤولون اللبنانيون أمراً بالغ الخطورة..
سمع ساترفيلد من رئيس المجلس النيابي، على نحو محدد اقتراحاً يقضي بترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، مستوحية مبدأ التفاوض، الذي أدى إلى تفاهم نيسان 1996، وكرَّس الاعتراف الدولي بحق لبنان بمقاومة الاحتلال، عبر لجنة رباعية، كان من بين أعضائها دي شاريت وزير الخارجية الفرنسي، وربما وارن كريستوفر (على ما أذكر) وزير الخارجية الأميركي، ومفاوضات على شكل طاقمين عن لبنان والاحتلال الإسرائيلي..
يعتقد لبنان أن بيده أوراقاً ثبوتية، تجعله يكسب حقه عبر تفاوض دولي، تكون الولايات المتحدة الأميركية شريكاً فيه، لكن الأساس الذي اتفق عليه لبنانياً أن لا مساومة على أي حق بحري أو برّي، أو نفطي أو غازي، مع إسرائيل، وأن المعادلة جديدة، قاب قوسين أو أدنى، ذات صلة بالمعاملة بالمثل: فإذا لم يتمكن لبنان، بسبب الضغط الإسرائيلي، أو تهديدات الشركات، فإن لبنان، سيلجأ للوسيلة عينها، لمنع اسرائيل من استخراج الغاز أو حتى النفط..
في غمرة ما وصفه وزير الخارجية اللبناني، من أن مسألة التفاوض أو التنازع على الحصة النفطية عند رأس الناقورة، معقدة أكثر مما يتوقع، أو أكثر مما هو سائد في الأوساط السياسية والإعلامية، جاءت تهديدات الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله لتطرح أكثر من علامة استفهام حول مجريات الصراع الدولي المفتوح على ثروات المتوسط من نفط وغاز، وبالتالي على مجمل الثروات النفطية في الشرق الأوسط، لا سيما المنطقة العربية..
من غزو العراق 2003 إلى تفجير النظم العربية التي كانت محسوبة على الاتحاد السوفياتي السابق، إلى المحاولات الجارية لزعزعة بعض الاستقرار في عدد من دول الشرق الأوسط غير العربية (ما عدا إسرائيل) دخلت المنطقة في ما يشبه العودة إلى مرحلة ما قبل نظام الانتداب، إلى نظام الاحتلالات المباشرة، والتدخلات العسكرية، لرسم استراتيجيات الثروة والسلطة والاقتصاد من الشرق الأوسط إلى مجمل النظام العالمي قيد التشكيل..
ان تدويل ثروة لبنان البحرية، يعني تدويل الصراعات والانتخابات ولذلك حديث آخر..






