بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 نيسان 2026 12:05ص حرب ردة الفعل

حجم الخط
منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، منتصف ليل 17/4/2026، إندفع أهل الجنوب إلى قراهم، لم ينتظروا صباح الغد، كانوا سلاسل، كانوا قوافل، كانوا زرافات، وكانوا وحدانا، كانوا ينهبون الطرقات نهبا، وكذلك الليل، وكذلك الخوف، شدّوا عليه جميعا، وقتلوه في نفوسهم، كأن حاديهم يصيح بصوت محمود درويش:
«سيل من الأشجار في صدري/ أتيت أتيت/ سيروا في شوارع يدي تصلوا»
أكاد أرى الصبية يركبون قصباتهم سباقا إلى ساحات القرى البعيدة. أراهم يسابقون القمر، ينبحونه، إذا ما تأخّر عنهم. أراهم يركبون الريح والأفق والموج، لا تهمّهم النعال كثيرا، لأن الدروب إلى الجنوب، لا تحب إلّا المتعفّرين بالتراب، سبقتهم قوافل الشهداء إلى الساحات، رفعت لهم أقواس النصر، وكذلك الرايات، كل ناحية متحف، وكل ناحية سجد، وأما الهواء والسماء والينابيع والأنهار، فكانت تسيل كما الطرقات، مع السيارات والمركبات.
جعل الجنوبيون من عودتهم، حربا أخرى، حربا على الحرب، بل حرب ردة فعل، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. هكذا تكون للعودة طعم الحرب، على الشاشات. وهكذا يرى الأعداء الجموع وهي تزحف، فيرعبهم المشهد.
الجنوبيون يقولون للأعداء: نحن لكم بالمرصاد، في الحرب وفي السلم. فإذا ما تأخّرنا هنا، ربحنا هناك. والحرب بيننا سجال.
سارع الجنوبيون إلى خيام النزوح، طووها تحت آباطهم، وراحوا يسابقون الريح، وهم يشقون دروبهم إلى الجنوب. كانوا يحملون في أيديهم مفاتيح البيوت، وكلما أقتربوا من القرى، هزّوا بها، يقرعون العصا للأعداء، يثبتون لهم: إن حربا جديدة قد بدأت. يرددون على التلال والمصطبات والشرفات: ها قد عدنا من جديد.
عودة على صورة حرب، هذه هي عودة الجنوبيين، الرايات تلوح من بعيد، والمفاتيح لها رنين أجراس العودة. وها هو القاصي والداني، في صوت واحد: حرب أخرى هي عودتنا، حرب ردة فعل، حرب أقوى من الحرب، بل حرب إنتصار على الحرب، ومن يعش يرَ.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية