بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 نيسان 2026 12:10ص المضائق تحت الهيمنة: كيف تُدير الولايات المتحدة شرايين العالم من دون أن تحتلّها

حجم الخط
د. رشا أبو حيدر

بين مضيق هرمز ومضيق ملقا، تتشكّل خريطة نفوذ تُحكم العالم من أضيق نقاطه.
في عالمٍ لا تحكمه الجغرافيا بقدر ما تتحكّم به، تتحوّل المضائق البحرية من مجرد ممرّات مائية إلى مفاتيح سيطرة على القرار الدولي. فالدول لم تعد تتنافس فقط على الحدود، بل على نقاط الاختناق التي تختصر المسافات وتتحكّم بمصير التجارة والطاقة، حيث تمرّ من خلالها شرايين الاقتصاد العالمي، وتُرسم عندها خطوط النفوذ.
من مضيق هرمز الذي يُعدّ البوابة الأهم لتدفق النفط نحو العالم، إلى مضيق جبل طارق الذي يشكّل نقطة وصل حيوية بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، وصولاً إلى قناة بنما التي تختصر المسافات بين الشرق والغرب، ومضيق ملقا الذي يُعدّ الشريان الحيوي لاقتصادات آسيا وعلى رأسها الصين، تتكرّس هذه الممرّات كعُقد استراتيجية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة دولية.
غير أنّ هذه الأهمية لم تمرّ دون أن تتحوّل إلى محور اهتمام مباشر من قبل الولايات المتحدة، التي أدركت منذ عقود أن السيطرة على البحار لا تعني احتلالها، بل ضمان حرية المرور فيها تحت مظلّة نفوذها. فمن خلال اتفاقيات دولية، وتحالفات عسكرية، وانتشار بحري دائم، عملت واشنطن على تثبيت حضورها في أبرز هذه المضائق.
كما يستند هذا الدور إلى أطر قانونية دولية، أبرزها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي كرّست مبدأ «حرية الملاحة»، وهو مبدأ تستخدمه الولايات المتحدة كمرتكز لتبرير وجودها العسكري في هذه الممرات، وإن لم تصادق رسمياً على الاتفاقية.
هذا الواقع يجعل من هذه المضائق نقاط توتر دائمة، إذ إن أي تهديدا بإغلاقها لا يُعدّ مجرد حدث إقليمي، بل صدمة عالمية تضرب الاقتصاد قبل السياسة.
ففي زمنٍ تُدار فيه القوة عبر الممرّات الضيّقة، لم تعد الحروب تُخاض فقط على الأرض، بل عند نقاط العبور... حيث يمكن لقرارٍ واحد أن يفتح العالم أو يخنقه.
وفي الخلاصة، لم تعد السيطرة على المضائق مسألة جغرافيا، بل معادلة نفوذ: من يؤمّن المرور، يملك القرار... ومن يهدّد بإغلاقه، يملك القدرة على تغيير قواعد اللعبة بأكملها.