لم يعد من شك ان حروب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الشرق الأوسط سببها وهدفها الأساسي الاقتصاد والنفط وتوسيع الاستثمارات الأميركية لا الأهداف الشعارات الإعلامية الاستهلاكية، بدليل الوفد الموسّع الذي رافقه ويضم عدداً كبيراً من رجال الأعمال والمستثمرين الأميركيين، ونقاط البحث الاقتصادية والمالية والمتعلقة أيضا بأزمة السندات الأميركية في الصين، وأزمة مضيق هرمز التي انعكست أزمة عالمية في الطاقة. وعلى هذا يستعجل ترامب بالتوازي مع ما يقوم به تجاه إيران والصين، إنجاز توافقات بين لبنان وكيان الاحتلال الإسرائيلي تتجاوز موضوع الأمن والحدود، الى توافق سياسي - اقتصادي طالما روّج له منذ ان طرح فكرة تحويل المنطقة الحدودية في جنوب لبنان الى منطقة اقتصادية - استثمارية تتولاها شركات أميركية على الأغلب، وبالتوازي مع الانفتاح الأميركي على سوريا كونها العمق الاستراتيجي للبنان وشريان حياته غير البحر والجو، وكلا البلدين بوابة الغرب الى الشرق وحاجة اقتصادية لترامب.
مفتاح الحلول لأزمات المنطقة وحروب ترامب وإسرائيل فيها مرتبطة إذاً بالتوافق الأميركي - الصيني، مع مرور لا بد منه بحل أميركي - إيراني تعمل عليه الصين لمشكلة مضيق هرمز وتوابعها، ولو كان هذا الأمر مجرد نقطة من نقاط البحث في الحوار الأميركي - الإيراني المتضمنة أيضا عناوين عامة وتفصيلية حول اليورانيوم والصواريخ الباليستية التي تؤرق إسرائيل، واضطر ترامب الى ادخالها في التفاوض مع إيران نتيجة ضغط اللوبي الصهيوني في أميركا لإنقاذ كيان الاحتلال من أزماته السياسية والعسكرية.
كل شيء بالترابط، من الصين الى لبنان مرورا بإيران ودول الخليج العربي، ولعل هذه الأزمات التي انعكست سلباً على الوضع الأميركي الداخلي اقتصادياً ومعيشياً، فارتفعت نسبة البطالة والتضخم وتم صرف مئات آلاف الموظفين والعمال بشكل كبير، نتيجة سياسات ترامب الاقتصادية والمالية وحروبه العبثية ذات الأهداف الخاصة، هي التي دفعت أيضا الرئيس الأميركي الى الذهاب بعيداً في محاولات التملص من حروبه عبر اتفاقات هنا وهناك لحفظ ماء وجهه ووجه نتنياهو، وتحقيق ما يمكن من مكاسب سياسية واقتصادية قبيل الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة التي تشير الترجيحات الى احتمال انخفاض حصة ترامب والحزب الجمهوري فيها.
وعلى هذا يقف لبنان على رصيف الانتظار وكان يستعجل الدخول في مفاوضات مع إسرائيل بالتوازي مع المفاوضات الأميركية – الإيرانية، وحاليا المفاوضات الأميركية - الصينية. لكن ظهر من الوقائع اليومية ان لبنان هو نقطة صغيرة في بحر أزمات المنطقة الكبرى والخطيرة التي افتعلتها الدول المتناحرة في الشرق الأوسط، ودفع لبنان مثل غيره الأثمان الكبرى لها. كما ظهر أن المشروع الإسرائيلي - الأميركي الخاص للبنان يختلف في بعض تفاصيله وحيثياته عن المشروع الأكبر المعدّ للمنطقة ككل.
أما المشروع الإسرائيلي - الأميركي الخاص للبنان فله حلول أخرى تفصيلية بالتوازي مع الحلول أو التسويات الكبرى التي تبدو متأخّرة حتى الآن نتيجة جو التصعيد والشروط المتبادلة، لأن لبنان مختلف بحكم الجغرافيا والعامل الحدودي الأمني والعسكري عن الوضع بين أميركا وإيران والصين، لذلك في أي حلول للوضع الجنوبي سيتم الأخذ بعين الاعتبار الوضع العسكري وما يمكن أن يكون عليه موقف الدولة اللبنانية وموقف حزب الله وأيضا موقف كيان الاحتلال سياسياً وعسكرياً، بما خص مواضيع الانسحاب والأسرى وتثبيت الحدود والترتيبات الأمنية الدائمة في المرحلة الحالية. عدا ذلك سيبقى فتيل الحرب مشتعلاً وموصولا بحقول ألغام قد تتفجر بأي لحظة وتودي بكل ما تحقق من تسويات أو تفاهمات.
ويعتقد البعض ان «الاتفاقات الابراهيمية» بين كيان الاحتلال وبعض الدول العربية، دفعت لبنان الى الذهاب نحو التفاوض المباشر مع الاحتلال، ولو اختلف هدف التفاوض وبقي دون سقف التوصل إلى اتفاق سلام أو تطبيع.