حزب الله ومعادلة التكليف والتأليف!
حجم الخط
لم تكن الانتخابات النيابية التي رمى حزب الله بثقله للفوز بها، وكان له ما أراد، سوى شكل من أشكال المواجهة الاستباقية، أو الحرب الاستباقية، بلغة العصر، وعلى القاعدة المعمول بها «تغداه قبل أن يتعشاه»، بمعنى عاجله بضربة، كان لو لم يقدم عليها هو لأقدم عليها غريمه، أو خصمه، أو عدوه..
كان «حزب الله» يُدرك تمام الإدراك، أن إدارة دونالد ترامب التي يصفها أمينه العام «بالمتهورة»، هي في صدد الاقدام على إلغاء الاتفاق النووي مع إيران وأن توقيع الاتفاق الذي حصل مع إدارة باراك أوباما، والذي وفَّر فرصة التقاط انفاس لإيران، والقوى الحزبية والدول الدائرة في فلكها، لا يُمكن ان يستمر، بعد تحكم «اللوبي الصهيوني» بقرارات البيت الأبيض في عهد ترامب، وبالتالي فالحملة على الحزب ماضية، بخطوات متصاعدة لإضعافه وإنهاكه، بدءاً من بيئته، فأعد لهم ما استطاع من «قوة شعبية»، دلت عليها الأرقام الكبيرة بعشرات الألوف التي حصل عليها مرشحوه، الذين باتوا نواباً، وتمكن الحزب، كما هو معروف، بحصر التمثيل الشيعي في الجنوب بنوابه، وكذلك في البقاع وبيروت، وصولا إلى عاصمة الموارنة كسروان، حيث فاز حليفه، بعدما تعذر فوز مرشحه الشيخ حسين زعيتر، والذي حصل على رقم لا يستهان به..
وبالمحصلة، تحصَّن الحزب بالقبض على 27 نائباً شيعياً، قاطعاً الطريق على أية محاولة، ولو بنسبة 1 أو 2٪ للاستفراد به، مستعيداً مقاعد زحلة (عقاب صقر) والبقاع الغربي (أمين وهبة) وغازي يوسف (بيروت الثانية) وحتى جبيل (عباس هاشم). وفي المقابل دخل إلى ساحة غريمه تيّار المستقبل من خلال (عبد الرحيم مراد) في البقاع الغربي، (وعدنان طرابلسي) في بيروت، (وأسامة سعد) في صيدا، وفيصل كرامي (في طرابلس) (وجهاد الصمد) في الضنية، فضلاً عن لائحة نجيب ميقاتي في طرابلس ايضاً... مع الاحتفاظ بكل من (الوليد سكرية) في بعلبك - الهرمل، (وقاسم هاشم) في مرجعيون - حاصبيا، مع خسارة المقعد الثاني في بعلبك - الهرمل (كامل الرفاعي).
قلبت الصورة، وجاءت القرارات الأميركية - الخليجية عشية تشكيل الحكومة الجديدة، والتي فرضت إجراءات اقتصادية على قيادة حزب الله، بدءا من الأمين العام السيّد حسن نصر الله إلى أعضاء الصف الأوّل في مجلس شورى قرار الحزب.
التزم حزب الله الصمت على مستوى القيادة، واكتفت دوائره بتسخيف القرارات أو ما سميت بالعقوبات المصرفية، من زاوية انه لا اثر لها من الناحية العملية، وان المسألة المعنوية، اعتاد عليها الرأي العام، فهي لا تقدّم ولا تؤخّر..
على ان النقاش، الذي يدور، قبل القرارات وبعدها، على مستوى الرأي العام: هل يتمثل حزب الله بالحكومة، وعلى أي مستوى؟ وماذا عن حلفائه؟ وعن البيان الوزاري؟
بمنتهى الواقعية، تحدث وزير الداخلية والبلديات، نهاد المشنوق في افطار القائم بالأعمال السعودي في بيروت الوزير المفوض وليد البخاري، عن ان لا حكومة إذا لم يتمثل فيها حزب الله، كممثل للشيعة، وان رئاسة المجلس كذلك.
دع السلاح جانباً، وخذ الميثاقية، من زاوية الفقرة «ي» من الدستور التي تنص: «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك»، لن تتكرر مرحلة 2006، ولن تحكم حكومة بلا حزب الله أو حركة «امل».
دعك أيضاً، من التحالف مع التيار الوطني الحر، ومضي فريق رئيس الجمهورية باحترام وثيقة التفاهم في مار مخايل الموقّعة عام 2006.. وحلفاء الحزب من الطوائف والتكتلات الأخرى.
تحصن الحزب في الداخل، بورقة نبيه برّي رئيساً دائماً لمجلس النواب، بورقة الفقرة «ي» من الدستور، بورقة ميزان القوى الجديد في المعادلة السياسية والنيابية، وبالدعم المعروف من الزعيم الدرزي الأقوى وليد جنبلاط.
قبل معادلة التوزيع، والحقائب، والدور المناهض للفساد في السلطة التشريعية ترتسم المعادلة التالية: حكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري، تعني تمثيلا لحزب الله، بالتساوي أو بالتمايز البسيط مع حركة «امل».. على ان تبقى الوزارة السيادية (المالية) من حصة الرئيس برّي، وهو رئيس حركة «امل».
وتستكمل المعادلة بصيغة اخرى: لا تمثيل لحزب الله في حكومة يرأسها الحريري، يعني حكومة لن يكون على رأسها الحريري.
لا تكاد المحاور تستقر على حال: فمعادلة: عون.. برّي.. الحريري، تضم حزب الله و«القوات» والمردة، وجنبلاط، لا يبدو انها سالكة بالكامل، فدونها صعوبات، تتعلق بالتمثيل والحقائب والمكاسب الوزارية الموازية للمكاسب النيابية (القوات اللبنانية مثلاً).
على المعادلة هذه، تجري مشاورات ما بعد الأربعاء، حيث يعاد انتخاب برّي رئيساً، (والعبرة هنا لعدد الأصوات) والتي من شأنها ان تؤشر إلى طبيعة المرحلة..
المؤشرات لا توحي بصدام يُعيد تشكيل وقائع المعادلة. فالطرف الأوروبي، فضلا عن الطرف العربي يتمسك بالحريري رئيساً للحكومة، ولن تقدّم أو تؤخّر كثيراً، مسألة عدم تصويته للنائب ايلي الفرزلي، لو رشحه التيار الوطني الحر لنيابة رئيس المجلس. وموقفه المعلن بعدم التصويت له، هو من قبيل الضغط، وليس من قبيل فك التحالف.
اذاً، يُمكن القول ان حزب الله تجاوز أزمة العقوبات، وان بقي الصمت سمة الموقف، وهذا لا يصبح امراً واقعاً قبل يوم الجمعة المقبل، عندما تبوح الكتل بالشخصية التي سمتها لرئاسة مجلس الوزراء.. وإن بدت المفاجأة شبه معدومة..
هل انتهت المواجهة عند هذا الحد؟ لا، يجيب العارفون، فالوقائع اللبنانية، والتي بدت انها داخل الملعب اللبناني، إلا ان محركاتها تبقى محكومة، بوقائع المواجهة الجارية، بين الفريق الرافض للاتفاق النووي والداعم له، لا سيما الجانب الأوروبي، مروراً بانتخابات العراق، ومرحلة التحولات المقبلة في سوريا!






