بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 حزيران 2026 12:05ص على طريق المطار... عندما تخلع بيروت عباءة «الشكر» وترتدي كرامتها

حجم الخط
محمد جارودي

لم يكن مشهد استبدال اللوحات الإعلانية على طريق مطار بيروت الدولي مجرد عملية تبديل للافتات، بل بدا وكأنه إعلان بصري عن تبدّل في المشهد السياسي، ورسالة تعكس عودة النقاش حول الهوية الوطنية ومعنى السيادة. هناك، عند البوابة التي يستقبل منها لبنان العالم، أُزيلت عبارة «شكراً إيران»، لتحلّ محلها: «لبنان أولاً».
هذا التبدّل لم يكن مجرد تغيير في الكلمات، بل حمل دلالات سياسية ووطنية عميقة. فالشعارات التي تُرفع في الفضاء العام ليست عبارات عابرة، بل رسائل تعكس خيارات واتجاهات. ومن هنا، فإن استبدال شعار بآخر يعبّر عن انتقال من خطاب يربط لبنان بمحور خارجي إلى خطاب يضع المصلحة الوطنية في المقدمة.
لقد دفع لبنان على مدى سنوات أثماناً باهظة جراء الانجرار إلى صراعات إقليمية وتداخل القرار الداخلي مع حسابات الخارج. ولذلك، فإن استعادة خطاب يقدّم لبنان باعتباره المرجعية الأولى ليست موجّهة ضد أحد، بقدر ما هي دعوة لإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها وقرارها السيادي.
ومن هذا المنطلق، فإن الشعار الذي يستحق أن يقرأه كل قادم إلى بيروت وكل مغادر لها هو: «لبنان أولاً وأخيراً». فالدول تُبنى بولاء أبنائها، وباحترام مؤسساتها، وبأن ينبثق قرارها من مصالحها الوطنية قبل أي اعتبار آخر.
أما الشكر الحقيقي، فيستحقه لبنان نفسه؛ أرضاً وشعباً، ويستحقه الجيش الذي يصون حدوده، وكل مواطن تمسّك بفكرة الدولة ورفض أن يتحوّل وطنه إلى ساحة لتصفية الحسابات أو منصة لرسائل الآخرين.
طريق المطار ليس مجرد طريق يصل إلى العاصمة، بل هو الواجهة الأولى للبنان أمام العالم. وما يُكتب عليه ينبغي أن يختصر هوية الوطن ورسالة الدولة. وحين تُرفع عبارة «لبنان أولاً»، فلا ينبغي أن تُقرأ كشعار حزبي أو موقف ظرفي، بل كتأكيد على مبدأ بسيط: أن مصلحة لبنان وسيادته ووحدة قراره يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.
وحسناً فعلت الدولة، فلعلّ في هذه الخطوة فجرَ ميلاد جديد للبنان الذي صمد حين أراد له البعض أن ينكسر؛ مسار تستعيد فيه الدولة هيبتها، ويستعيد المواطن ثقته، ويستعيد لبنان موقعه بين الأمم دولةً جامعةً لأبنائها، سيدةً على أرضها، حرّةً في قرارها، يقول للعالم بصوت واحد: نحن هنا وقرارنا لنا. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، لكنها تبدأ حين تُرفع الشعارات الصحيحة في المكان الصحيح، وحين يحمل الوطن اسمه كاملاً... لا اسم أحد سواه.
ولكن، يبدو أن الحقيقة كانت أثقل من أن يتحمّلها البعض. ففي الليلة نفسها التي ارتفع فيها الشعار، امتدت أصابع الظلام لتشعل النار في بعض تلك اليافطات.
لعلّ مَن أحرقوها أرادوا طمس العبارة، لكنهم في الحقيقة أضاؤوا عليها بلهيب حنقهم، وقدّموا دليلاً صارخاً على دقة التشخيص؛ فأن يستفز شعار «لبنان أولاً» البعض إلى حد الإحراق، يعني أن معركة استعادة الهوية الوطنية ليست مجرد تغيير لافتات، بل هي مواجهة حقيقية مع ثقافة ترفض أن يكون لبنان لنفسه.
إن حرق اليافطة لا يغيّر من الحقيقة شيئاً، فالنار تأكل القماش والورق، لكنها لا تلمس الفكرة الراسخة في قلوب مؤمنيها. وحين تحترق عبارة «لبنان أولاً»، ينكشف بوضوح مَن يريد لهذا الوطن أن يبقى مجرد ساحة مستباحة، ومَن يريده وطناً نهائياً، سيداً، وحرّاً لأبنائه.