عندما تصبح الأحزاب أسواراً... تموت الحرية ويضيع الوطن
د. عبّاس حيدر
ليست الحرية أن تختار بين الأحزاب، بل أن تمتلك الشّجاعة لتقول للحزب: لقد أخطأت.
هذه هي الأزمة التي يعيشها لبنان اليوم. فالمواطن لم يعد أسير الفقر وحده، بل أصبح أسير منظومة سياسية نجحت، عبر عقود، في بناء أسوار داخل العقول قبل أن تبني متاريس على الأرض. فصادرت حقّ النّاس في السّؤال، وأقنعتهم أنّ الولاء فضيلة، حتّى ولو كان على حساب الحقيقة والوطن.
في لبنان، لم تعد الأحزاب مجرّد أدوات للعمل السياسي، بل تحوّلت، في حالات كثيرة، إلى هويّات مغلقة. لكلّ حزب روايته الخاصّة، وحقيقته الخاصّة، وشهداؤه، وأبطاله، وحتّى مفهومه الخاص للوطن. وعندما تتعدّد الأوطان داخل الدّولة، تصبح الدّولة مجرّد اسم على الخريطة.
المأساة ليست في وجود الأحزاب، فالديمقراطيات الحقيقية تقوم على التّعدّدية، بل في تحوّل بعضها إلى مراكز نفوذ تعلو على الدّولة، وإلى ثقافة تعتبر الزّعيم فوق النّقد، والحزب فوق المحاسبة، والطّائفة فوق الدّستور. وهنا تبدأ نهاية الجمهورية.
لقد اعتاد اللبناني أن يطالب بدولة قوية، لكنّه يعود في أول اختبار إلى الاحتماء بزعيمه. يشكو من الفساد، ثم يصمت عندما يكون الفاسد من فريقه. يطالب بالقضاء المستقل، لكنّه يرفض أحكامه إذا مسّت مصالح جماعته. وهكذا تتحوّل الشّعارات إلى أقنعة، ويتحوّل الإصلاح إلى خطاب موسمي.
الإمام موسى الصدر لم يدعُ إلى إنسان يعيش داخل قفص الانتماء الضيّق، بل إلى مواطن يرى في الدّولة الضمانة الأولى لكرامته وعدالته. ومن يقرأ مشروعه الفكري يدرك أنّه كان يعتبر أنّ قوة المجتمع لا تكتمل إلا بقيام دولة عادلة، وأن الانتماءات المختلفة ينبغي أن تتعايش تحت سقف القانون، لا أن تتصارع على حسابه.
إنّ لبنان لا يحتاج إلى زعيم جديد، بل إلى مواطن جديد. مواطن لا يبيع صوته، ولا يؤجّر ضميره، ولا يحوّل السياسة إلى عبادة للأشخاص. فالأوطان لا تنهار بسبب قلّة الموارد، بل بسبب غياب الوعي.
لقد آن الأوان لأن نسأل جميع القوى السياسية، بلا استثناء: ماذا قدّمتم للدّولة؟ ماذا فعلتم لحماية القضاء؟ ماذا أنجزتم في بناء الاقتصاد؟ ماذا تركتم للأجيال سوى الدّين العام والانقسام والهجرة واليأس؟
إنّ أخطر ما أصاب لبنان ليس الانهيار المالي، بل انهيار الثّقافة الوطنيّة. فعندما يصبح الولاء للحزب أهم من الولاء للبنان، وعندما تتحوّل الطّائفة إلى بديل عن الدّولة، وعندما يُكافأ الصّمت ويُعاقب التّفكير، فإنّ الحرية تكون قد خسرت معركتها الأولى.
لن ينهض لبنان ما لم تتحرّر العقول من الخوف، وما لم تتحرّر السياسة من العصبيّة، وما لم تتحرّر الأحزاب نفسها من وهم أنّها أكبر من الدّولة. فالحرية لا تبدأ في صناديق الاقتراع... بل تبدأ في العقل. والدّولة لا تبنى بالهتافات... بل بالمواطن الحرّ الذي يجرؤ على محاسبة الجميع، ويؤمن بأنّ لبنان أكبر من كل حزب، وأبقى من كل زعيم، وأقدس من كل ولاءٍ لا يخدم الوطن.






