بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 أيار 2026 12:20ص «كباش» الصلاحيات فوق أنقاض التفاهمات.. بين اندفاعة عون ودهاء بري: من يمسك بمقود التفاوض اللبناني؟

حجم الخط
شهدت العلاقة بين قصر بعبدا وعين التينة توتراً علنياً متصاعداً خلال الأيام الأخيرة، مما عكس انقساماً واضحاً في الرؤى السياسية بين الرئيس جوزاف عون والرئيس نبيه بري. هذا التباين انتقل إلى جوهر الصراع على صلاحيات القرار الوطني في ملفات حسّاسة، أبرزها آلية التفاوض مع العدو الإسرائيلي وشكل إدارة الدولة، مما أعاد رسم خارطة القوى بين مؤسستي رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب في ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة.

• لغم «التفاوض المباشر»

شكّل ملف التفاوض مع إسرائيل، الهادف لترجمة وقف إطلاق النار إلى ترتيبات أمنية ودبلوماسية دائمة، الفتيل الذي فجّر العلاقة في نيسان 2026. الرئيس جوزاف عون يرى أن مصلحة لبنان العليا تقتضي الانتقال من المفاوضات غير المباشرة إلى مفاوضات مباشرة برعاية دولية (في واشنطن). يهدف عون من ذلك إلى انتزاع اعتراف دولي بسيادة الدولة الكاملة، وقطع الطريق على أي تفسيرات ملتبسة قد تسمح بعودة السلاح غير الشرعي أو استمرار التوترات الحدودية.
في المقابل، قرأ نبيه بري في هذا التوجه «خروجاً عن النص الميثاقي». بالنسبة لعين التينة، التفاوض المباشر ليس إجراءً تقنياً، بل هو اعتراف سياسي يضرب في عمق «عقيدة المقاومة» والتحالفات الإقليمية. بري الذي أدار مفاوضات الناقورة لسنوات بصبر الصياد، يرى أن القفز إلى واشنطن هو محاولة لعزل المكونات التي قدمت التضحيات الميدانية، وتحويل المسار من «دولة مقاومة» إلى «دولة محايدة» بتوقيت لا يراه مناسباً.

• «فجوة الثقة» والسجال الإعلامي المفتوح

وصل التوتر إلى ذروته عندما كشف السجال الإعلامي عن فجوة ثقة عميقة بين الرئاستين. فبينما حاول الرئيس عون إظهار إجماع وطني من خلال تصريحه بأن خطواته تتم بالتنسيق والتشاور مع بري والحكومة، جاء الرد من مكتب عين التينة صاعقاً بنفي وجود أي تنسيق مسبق، واصفاً ادعاءات القصر بأنها «غير دقيقة».
هذا التكذيب العلني لم يكن مجرد تصحيح لبروتوكول، بل كان إعلاناً عن سقوط «التوافق الثلاثي». أراد بري أن يقول للعالم، وللداخل اللبناني، إن توقيع رئيس الجمهورية على أي تفاهم دولي لا يكفي لمنحه الشرعية الوطنية ما لم يمر عبر «فلتر» عين التينة. لقد كشف هذا الاشتباك أن التنسيق المفقود بين الرجلين قد تحول إلى مادة متفجرة تهدد استقرار المؤسسات.

• هل بري «منصاع» أم «مناور»؟

يطرح المراقبون السؤال الأكثر إثارة للجدل: هل ينفذ نبيه بري أجندة «حزب الله» المعترضة على نهج عون، أم يمارس دهائه الخاص؟
الواقع التاريخي لبري يشير إلى أنه يمارس «الدهاء الاستراتيجي». هو لا يتحرك كـ «تابع» بالمعنى الحرفي؛ بل كشريك يدرك أن أي إضعاف لمكانة الحزب في ملف التفاوض هو إضعاف لوزنه السياسي كـ «ضامن» للتوازنات الطائفية.
بري لا يقول «حزب الله يرفض»، بل يقول «الثوابت هي الثوابت»، محوّلاً الموقف الحزبي إلى موقف مبدئي دستوري. هو يدرك أن قوته مستمدة من كونه «خزان المبادرات» والصلة الوصل بين الداخل والخارج، لذا فإن تمسّكه بوقف التفاوض المباشر هو حماية لـ «العملة الصعبة» التي يصرفها في السياسة. الدهاء هنا يكمن في قدرته على توفير «غطاء ميثاقي» لمخاوف الحزب، مما يجعل من الصعب على الرئيس عون تجاوزه دون المخاطرة بهز السلم الأهلي.

• وعود عين التينة للرياض

تشير المعلومات الموثّقة إلى أن الرئيس نبيه بري قدّم خلال لقائه بالمبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان وعوداً وصفت بـ «المطمئنة» حيال مستقبل الاستقرار السياسي ومنع انزلاق البلاد نحو مواجهات داخلية كبرى.
بري، بصفته «ضامن التوازنات»، حاول إيصال رسالة للرياض مفادها أنه قادر على ضبط إيقاع الساحة الشيعية وتأمين «هبوط آمن» للاتفاقات الدولية، شريطة عدم تهميش دوره أو كسر حلفائه بشكل مهين. هذه الوعود لم تكن مجرد كلام بروتوكولي، بل كانت محاولة من بري لتثبيت نفسه كـ «ممر إلزامي» لأي مبادرة عربية أو دولية، ملمحاً إلى قدرته على تليين مواقف «الثنائي» إذا ما تم احترام «قواعد اللعبة» اللبنانية التقليدية، وهو ما قرأه البعض كمحاولة لفرملة أي دعم سعودي مطلق لاندفاعة الرئيس عون دون التنسيق مع عين التينة.

• «لقاء بعبدا» المتعثّر.. رسائل المقاطعة

كان من المفترض عقد لقاء ثلاثي في بعبدا يضم الرؤساء الثلاثة (عون، بري، سلام) في أواخر الشهر الماضي لتوحيد الموقف. لكن المعلومات أكدت إلغاء اللقاء بسبب اعتذار بري عن الحضور.
هذا الاعتذار لم يكن تقنياً، بل اعتراضاً على نبرة خطاب الرئيس عون تجاه بعض القوى المحلية. بري، باعتذاره، وضع عون في مواجهة «الفراغ الميثاقي»، مرسلاً رسالة واضحة: «لا يمكنكم عقد صفقات دولية كبرى بمعزل عن رئاسة التشريع».

• صراع الرؤى.. الدولة مقابل «دولة المكوّنات»

يكمن جوهر الخلاف في تناقض الرؤيتين لمستقبل لبنان:
1. رؤية عون: تنطلق من حصر السلاح بيد الدولة، والسيادة الدبلوماسية، والتعامل مع المجتمع الدولي بمنطق «الدولة الواحدة». هو يسعى لتكريس مفهوم «الرئيس القوي» الذي يستمد قوته من الدستور ومن كونه حكماً فوق الأحزاب.
2. رؤية بري: تتمسّك بصيغة «التوافقية القلقة» أو «دولة المكونات». بري يرى أن أي قرارا استراتيجيا، خاصة في ملف الصراع مع إسرائيل، يجب أن يُطبخ على نار هادئة بين القوى الأساسية، ولا يجوز لجهة واحدة، مهما علا شأنها، أن تنفرد به.

• بري في «اللعب على الحافة» والفرملة السياسية

منذ عقود، أتقن بري فن «تقطيع الوقت». هو يدرك أن الرئيس عون في عجلة من أمره لتحقيق إنجاز سيادي يطبع عهده. لذا، يستخدم بري سلاح الوقت والتعقيدات القانونية لفرملة هذا الطموح. يمارس بري ما يمكن تسميته بـ»المعارضة من داخل الحكم»؛ فهو شريك في السلطة، لكنه في الوقت نفسه العائق الأكبر أمام توجهات رئيس الجمهورية الاستراتيجية، مجبراً بعبدا على العودة المستمرة إلى «طاولة المشاورات» في عين التينة.

• بين الانسداد والانفجار

إن استمرار هذا الاشتباك سيؤدي حتماً إلى شلل في مؤسسات الدولة. المجتمع الدولي، الذي يراقب هذا الكباش، بدأ يلمس أن «الضمانات» التي يقدمها الرئيس عون قد تصطدم بـ «ألغام» يزرعها بري في طريق التنفيذ. هذا التباين يعيق تشكيل جبهة داخلية موحدة للتفاوض مع الخارج، ويجعل من لبنان ساحة لرسائل إقليمية متناقضة.
إذا استمر بري في سياسة «النفي والتعطيل»، قد يجد الرئيس عون نفسه أمام خيارين مريرين: إما الصدام المباشر الذي قد يهدّد الاستقرار، أو القبول بـ «تسوية عرجاء»، وهو ما سيعتبر انكساراً لوعود العهد بالسيادة والتحوّل.
في نهاية المطاف، يبدو أننا أمام مواجهة بين «إرادة التغيير السيادي» التي يمثلها جوزاف عون، و«إرادة الاستمرارية التوافقية» التي يمثلها نبيه بري. الدهاء السياسي الذي يمارسه سيد عين التينة قد ينجح في تأخير الالتزامات الدولية، لكنه يضع لبنان أمام اختبار قاسٍ: هل تستطيع «الجمهورية» أن تحكم نفسها، أم أن «التركيبة» أقوى من «الدولة»؟