بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 أيار 2026 12:20ص لبنان بين السيادة واستحقاقات المرحلة: الدولة في مواجهة ضغوط الداخل وصراعات الإقليم

حجم الخط
يدخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية قد ترسم مستقبله السياسي والأمني لسنوات طويلة. فالمسألة لم تعد مجرد مواجهة حدودية مع إسرائيل، ولا مجرد مفاوضات تقنية حول وقف إطلاق النار، بل أصبحت أزمة تتعلق بجوهر الدولة نفسها: من يملك القرار الحقيقي في لبنان؟ الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، أم القوى المرتبطة بمحاور إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية؟
لبنان يقف اليوم أمام حربين متوازيتين: حرب خارجية ذات أبعاد عسكرية ودبلوماسية مع إسرائيل، وحرب داخلية تتمثل في التفكك السياسي والانقسام حول هوية الدولة وقرارها الأمني. والأشهر المقبلة قد تحدد ما إذا كان لبنان سيتجه نحو إعادة بناء الدولة، أم نحو ترسيخ واقع الانقسام والارتهان للخارج.
في الظاهر، تبدو الأزمة مرتبطة بالحرب بين لبنان وإسرائيل، لكن في العمق يصعب فصل هذا المسار عن الصراع الأكبر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فلبنان أصبح، بحكم الواقع، جزءاً من شبكة نزاعات إقليمية متداخلة، حيث تؤثر أي تطورات في الملف النووي الإيراني أو مستوى التوتر بين طهران وواشنطن مباشرة على وضع الجنوب اللبناني ومسار التهدئة فيه.
وهنا يبرز ملف حزب الله باعتباره العقدة الأساسية في المشهد اللبناني. فالحزب لم يعد يُنظر إليه فقط كقوة لبنانية داخلية، بل كجزء من محور إقليمي تقوده إيران، تربطه بها علاقات سياسية وعسكرية ومالية عميقة. لذلك، يرى كثير من المراقبين أن قرار الحرب والسلم لدى الحزب لا ينفصل بالكامل عن الحسابات الإقليمية الإيرانية، بل يرتبط أحياناً بأولويات تتجاوز المصلحة اللبنانية المباشرة.
وقد ظهر ذلك بوضوح عندما دخل حزب الله الحرب الأخيرة مع إسرائيل تحت عنوان مساندة غزة قي المرة الأولى وفي المرة الثانية الدفاع عن لبنان، إلّا أن القراءة الأوسع تشير إلى أن هذا الانخراط جاء أيضاً ضمن سياق إقليمي أوسع يخدم موقع إيران التفاوضي ويؤكد وحدة ساحات المحور، أكثر مما يعكس قراراً لبنانياً مستقلاً. وهذا ما أعاد طرح سؤال جوهري: كيف يمكن لدولة أن تفاوض وتلتزم بوقف إطلاق النار، فيما قرار التصعيد العسكري ليس محصوراً بالكامل بمؤسساتها الشرعية؟
في المقابل، حاولت الدولة اللبنانية، بقيادة رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، التأكيد أن المسار اللبناني - الإسرائيلي منفصل عن المسار الإيراني - الأميركي، وأن وقف إطلاق النار تم ضمن تفاهم يخص لبنان وسيادته، لا ضمن صفقة إقليمية شاملة.
هذا الموقف مهم من حيث المبدأ، لكنه يصطدم بواقع أن لسلاح حز بالله ما زال عاملاً حاسماً في الميدان.
ومن هنا يكمن التحدّي الحقيقي أمام لبنان: ليس فقط التفاوض مع إسرائيل، بل استعادة وحدة القرار الوطني. فالمشكلة لا تقتصر على وجود خلافات سياسية داخلية، بل في استمرار ازدواجية السلطة بين الدولة الرسمية من جهة، وبين قوة عسكرية تمتلك قراراً مستقلاً ومرتبطة بخيارات إقليمية من جهة أخرى. وهذه الازدواجية تجعل لبنان أضعف في أي مفاوضات، لأن الطرف الآخر يدرك أن الدولة لا تملك وحدها كل أوراق التنفيذ.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الحراك السعودي - العربي المتجدّد. فقد برزت في الآونة الأخيرة مؤشرات إلى اتصالات بين السعودية وإيران عبر قنوات مختلفة، مع اهتمام باكستاني بالمساعدة في خفض التوتر واحتواء الملفات الحسّاسة، ومن بينها الملف اللبناني. ورغم عدم وجود ورقة إيرانية واضحة ومعلنة حتى الآن حول لبنان أو حول مستقبل سلاح حزب الله، فإن الحراك القائم يعكس إدراكاً إقليمياً بأن استقرار لبنان لا يمكن فصله عن التفاهمات الأوسع في المنطقة.
وهذا يعيدنا إلى حقيقة أساسية: في الدول التي تمتلك فيها إيران حلفاء نافذين ومسلحين، يصبح الحل الداخلي أكثر صعوبة ما لم يترافق مع تفاهمات إقليمية أو قرار واضح بعدم استخدام هذه الساحات كورقة ضغط. ومن هنا، فإن معالجة ملف سلاح حزب الله لا ترتبط فقط بالحوار اللبناني الداخلي، بل أيضاً بموقع الحزب ضمن الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة.
في المقابل، تشير مواقف صادرة عن بيئة حزب الله إلى أن تسليم السلاح أو البحث الجديّ في مستقبله لن يتم تحت الضغط الخارجي، بل فقط من خلال حوار داخلي وعلى طاولة تفاهم وطني يراعي ما يعتبره الحزب ضمانات سياسية وأمنية ودوراً مستقبلياً داخل الدولة. وهذا يعني أن أي مقاربة واقعية لهذا الملف لا يمكن أن تقوم على منطق الإملاء، بل تحتاج إلى تسوية لبنانية شاملة تتناول الهواجس المتبادلة ومفهوم استراتيجية الامن والدفاع الوطني وبناء الدولة معاً.

إسرائيل بين القوة العسكرية وأوراق التفاوض

في المقابل، تبدو إسرائيل مدركة أنها لم تستطع القضاء الكامل على حزب الله أو إنهاء ملف السلاح بالقوة العسكرية، رغم حجم العمليات والضربات. لذلك انتقلت إلى استراتيجية مزدوجة: الاستمرار في الضغط الأمني من جهة، واستخدام المفاوضات من جهة أخرى لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية لم تستطع فرضها بالحرب وحدها.
كما تستفيد إسرائيل من استمرار سيطرتها على نقاط داخل جنوب لبنان، مستخدمة هذا الوجود كورقة ضغط تفاوضية لتحسين شروطها، أو لفرض ترتيبات أمنية جديدة، أو لخلق وقائع ميدانية طويلة الأمد. وهذا ما يثير مخاوف لبنانية جدية من أن يتحوّل أي تأخير في الانسحاب إلى نموذج شبيه بمزارع شبعا وتلال كفرشوبا، أي مناطق تبقى معلقة سياسياً ومفتوحة أمنياً لسنوات طويلة.
ومن هنا، فإن بقاء إسرائيل في هذه النقاط لا يجب أن يُنظر إليه كمسألة عسكرية فقط، بل كأداة تفاوضية وسياسية تستعملها لانتزاع تنازلات إضافية أو لإبقاء لبنان تحت الضغط المستمر.

الحاجة إلى غطاء عربي وموقف تفاوضي قوي

بالرغم من الغطاء السعودي والدور المصري، إلّا أن المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية يصعب أن تفضي إلى نتائج متوازنة إذا جرت في ظل انقسام داخلي وغياب دعم عربي واضح. فلبنان يحتاج إلى غطاء عربي موحد يدعم مصالحه الوطنية، ويسند الدولة اللبنانية في مطالبها الأساسية، وفي مقدمتها الانسحاب الكامل، وقف الخروقات، احترام السيادة، وتثبيت الهدنة بصورة فعلية لا شكلية.
كما أن الأداء التفاوضي اللبناني يجب أن يكون أكثر صلابة وثقة بالنفس. فلبنان لا يحتاج إلى خطاب يوحي بالحاجة الدائمة إلى الوصاية الخارجية، بل إلى خطاب دولة ذات سيادة تعرف ماذا تريد، وتفاوض على أساس حقوقها الوطنية ومصالح شعبها.
وفي هذا الإطار، يبرز دور رئيس مجلس النواب نبيه بري كعامل توازن مهم في هذه المرحلة، بحكم موقعه السياسي وعلاقته مع مختلف الأطراف، وقدرته على لعب دور الوسيط الداخلي وفتح قنوات التواصل حين تتعثر المسارات الأخرى. كما أن الحضور السعودي الأخير، ومنه زيارة الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، يعكس عودة واضحة إلى الملف اللبناني من بوابة دعم الاستقرار، وتأكيد التمسك باتفاق الطائف بوصفه الإطار الدستوري الأنسب لتنظيم التوازنات اللبنانية.
في المحصلة، المشهد اللبناني في المرحلة المقبلة سيرتبط بعاملين متلازمين: قدرة الدولة اللبنانية على توحيد القرار الداخلي، ومسار الصراع الإقليمي الأوسع. فإذا لم تُحل مسألة الوكلاء الإقليميين من قبل إيران في المنطقة، ومن بينهم حزب الله، فسيكون من الصعب جداً الوصول إلى حل نهائي داخل لبنان، لأن ملف السلاح لن يبقى شأناً لبنانياً داخلياً فقط، بل سيظل مرتبطاً بتوازنات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية.
وفي المقابل، إذا نجح اللبنانيون في إطلاق حوار داخلي جدّي برعاية دستورية وعربية، يربط بين الإصلاح السياسي والاستراتيجية الدفاعية وبناء الدولة، فقد يصبح من الممكن الانتقال تدريجياً من مرحلة ازدواجية السلاح إلى مرحلة احتكار الدولة وحدها لقرار القوة.
أما إذا استمر الانقسام الداخلي، وبقي الجنوب ورقة تفاوضية مفتوحة، فقد يجد لبنان نفسه أمام وضع شبيه بتجارب أخرى في المنطقة، حيث لا الحرب تنتهي ولا السلام يكتمل.
في الخلاصة، لبنان لا يواجه فقط تحدّياً حدودياً مع إسرائيل، بل يواجه معركة سيادة داخلية بكل معنى الكلمة. واستعادة هذه السيادة تبدأ عندما يصبح قرار الحرب والسلم لبنانياً خالصاً، وتصبح مؤسسات الدولة المرجعية الوحيدة لجميع اللبنانيين، بعيداً عن أي وصاية أو ارتباطات خارجية.
أما إذا بقي لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وبقي ملف السلاح مرتبطاً بصراعات الخارج من جهة، وبالانقسام الداخلي من جهة أخرى، فإن الاستقرار سيظل هشاً، وستبقى كل هدنة مؤقتة، وكل تفاوض قابلاً للانفجار من جديد.

* أكاديمية وباحثة