د. جيرار ديب
أفاد موقع «إكسيوس» الإعلامي نقلاً عن مسؤولين أميركيين، بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، طلب من عدد من القادة العرب والمسلمين الإنضمام إلى اتفاقات ابراهام مع إسرائيل بعد الاتفاق مع إيران.
وأجرى ترامب اتصالاً هاتفياً يوم السبت 23 أيار، مع زعماء السعودية والإمارات وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن والبحرين، لمناقشة الصفقة المحتملة مع إيران. وذكر الموقع في هذا السياق، إن «جميع القادة أكدوا لترامب وقوفهم معه بشأن هذه الصفقة».
بعيداً عن مطالب به ترامب الدول، وأهمية التركيز العربي على ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية كشرط للانضمام إلى اتفاقات ابراهام، لكنّ بعض الإعلام اللبناني ذهب بعيداً في قراءاته عما أفاد به الموقع الأميركي، متوقفا عند استثناء اتصال ترامب رئيس الجمهورية، جوزاف عون، معتبراً أن هذا بحدّ ذاته «رسالة سلبية»، ومنهم من بالغ في تحميل ذلك على إنها «إهانة دبلوماسية» تجاه موقع الرئاسة.
لا نقاش إن هذا البعض الإعلامي يندرج ضمن التبعية الواضحة لحزب الله الذي لا يتوانى مسؤوليه من الاعتراض المباشر وغير المباشر على ذهاب السلطة في طريق التفاوض مع الإسرائيلي، معتبرين أنّ في هذا تقديم تنازلات مجانية للعدو في الوقت الذي لم يزل الميدان مشتعل، ومسيّرات الحزب تربك الجيش الإسرائيلي.
فهذا النمط من الإعلام الموجّه، لا يستهدف موقع الرئاسة بقدر ما يستهدف الإداء في إدارة الحرب، لهذا وجد في عدم إجراء الاتصال بالمسؤولين في لبنان، دلالة على إن الأميركي لا يعير اهتماماً للشأن اللبناني، لأنه على قناعة بأن السلام بين البلدين مسألة وقت. يأتي هذا التوجه الإعلامي في ظلّ موجة من الانتقادات التي يشنّها على الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن، تحديداً على شخص السفيرة اللبنانية باعتبارها لا تتمتع بمواصفات المفاوض ولا تدرك الميدان.
رغم هذا التحشيد الإعلامي المبرمج لضرب مسار التفاوض وإسقاطه، لكنّ الوقائع لا تشير إلى أنّ هناك «إهانة دبلوماسية» أميركية تجاه الرئيس اللبناني. فالموضوع لا يتعدّى الاتصال بالمعنيين المباشرين في الحرب الدائرة في المنطقة، وإن استنثاء لبنان يأتي في ظلّ الجهود الأميركية - اللبنانية التي تعمل على فصل المسارات. إذ أكد لبنان متمثلاً بموقع الرئاسة اللبنانية، ورئيس الحكومة نواف سلام، على ضرورة عدم الربط في الملفات، بين ما يحصل في إسلام أباد من تسوية مع إيران، وما يحصل في واشنطن من تسوية مع لبنان.
تعتبر السلطة اللبنانية، إن إي تسوية أميركية - إيرانية هي شأن البلدين، حتى لو إن نتائجه سيكون له انعكاسات إيجابية على المنطقة عموماً ولبنان خصوصاً. فهي تجد أنه من الضروري التركيز على محادثات لبنان، وعدم اشتباكها مع أي مفاوضات أخرى، بهدف نزع لبنان كورقة ضاغطة من يد إيران عبر حزب الله، والسير نحو تحقيق الشروط الرئيسية، على رأسها وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي يحتلها.
قد تكون محقّة السلطة اللبنانية في استقلالية الملف اللبناني في إطار الحفاظ على سيادة البلد، لكنّ التفاوض اللبناني في ظل ميدان مشتعل يأخذ شكل التصعيد الخطير من قبل الإسرائيلي الذي بدأ في توسيع دائرة الاستهداف قد لا يأتي بالنتائج المرجوة. لهذا، فإن المطلوب من السلطة في لبنان، ضرورة الربط تفاوضها مع الحاجز العربي المنيع الذي يقف في وجه جموح ترامب وأحلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
لقد برزت مواقف متباينة مع الجانب الأميركي، لاسيما في موضوع التوقيع على اتفاق ابراهام، حيث هناك شبه إجماع عربي على مقررات القمة العربية التي خرجت من اجتماع القمة في بيروت عام 2002، والتي من أبرز مقرراتها بشأن السلام العادل، هو حل إقامة الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية.
إن الإصرار الإيراني في الإمساك في الملف اللبناني، لا يخدم مصالح لبنان العليا، كما ولا يخدم مصالح الدول العربية وسط تأكيدات من قبلها عل ضرورة حصرية السلاح والانتقال إلى تطبيق بنود اتفاق الطائف. فإن استمرار الحزب خارج إطار المؤسسات الرسمية، يعني استمرار المشروع الإيراني التوسّعي في المنطقة، حتى لو خرجت دعوات من مسؤوليه بضرورة تأسيس لأمن مشترك في المنطقة. فهكذا دعوة يجب أن تتمثل عبر الدول وليس مع مجموعات ترتبط معها في العقيدة الانتماء والسلاح.
لهذا يندرج الاستثناء الأميركي ضمن خانة عدم الربط في الملفين، وهذا مطلب لبناني، إلّا أن تحصينه يجب أن يكون في ظل المظلة العربية الجامعة، وألا يكون للبنان أي موقف خارج الإجماع.