من الجولاني إلى الشرع... كيف انقلبت المعادلات؟
منذ نشاطه في الساحة العراقية ثم ارتباطه، وفق تقارير أمنية، بالمخيمات الفلسطينية في لبنان، حيث كان أبو محمد الجولاني مدرّباً للجهاديين، مروراً بقيادته لجبهة النصرة التي قاتلت الجيش اللبناني في عرسال، إلى أن أصبح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي يستقبل وفوداً لبنانية رسمية في قصر الشعب بدمشق... تحوّلات دراماتيكية لم تكن في حسبان أحد قبل عامين فقط. هذه التحوّلات انعكست بوضوح في قمة الناتو بأنقرة، التي جاءت وسط انفتاح أميركي ودولي على دمشق الجديدة.
أدانت القمم المتعاقبة للناتو الفظائع التي ارتكبها نظام الأسد والتنظيمات الإرهابية في سوريا على حد سواء. ففي قمة ويلز (أيلول 2014) وقمة وارسو (تموز 2016)، أكدت البيانات الختامية التزام الحلف بـ«نهج 360 درجة» لمكافحة الإرهاب، مشيرة إلى أن التنظيمات التابعة للقاعدة (والتي كانت جبهة النصرة أبرزها على الأرض السورية) تشكّل تهديداً مباشراً لأمن الحلفاء.
خلافاً للبيانات السابقة، خلا بيان أنقرة (تموز 2026) من أي إشارة مباشرة إلى سوريا أو إلى الجبهة، مكتفياً بالحديث بصورة عامة عن مكافحة الإرهاب وتعزيز الدفاع الجماعي.
وتزامن ذلك مع إعلان الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب نيّتها العمل على رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد لقائه بالرئيس السوري الحالي أحمد الشرع، الذي كان قد قاد تحالفاً من المعارضة للإطاحة بنظام الأسد في أواخر عام 2024، بعد أن قطع ارتباطه بالقاعدة وجبهة النصرة منذ عام 2016.
داخلياً، لم يكن هذا العبور السريع نحو الشرعية السياسية بلا أثمان أو انقسامات؛ إذ ينقسم الشارع السوري والمعارضة التقليدية إزاء هذا التحوّل. فبينما يرى فيه البعض مخرجاً واقعياً فرضته الحسابات الدولية لضمان استقرار البلاد ومنع الفوضى، تنظر إليه أطراف معارضة أخرى بعين الريبة، معتبرة أن تبديل العباءة الأيديولوجية لا يمحي إرث الماضي، ليبقى القبول الشعبي الداخلي معلقاً على مدى قدرة العهد الجديد على تحقيق دولة المواطنة والمؤسسات.
وإذا كان هذا التحوّل قد فرضته التوازنات الدولية ولقي صدىً متبايناً في الشارع السوري والمدن الخارجة من أتون الحرب بين واقعية القبول وحذر الترقب، فإن ارتداداته على الساحة اللبنانية بدت أكثر حساسية.
دخل أبو محمد الجولاني إلى لبنان عام 2006 عقب مقتل أبو مصعب الزرقاوي، حيث عمل كمشرف ومدرّب عسكري لجماعة جند الشام في المخيمات الفلسطينية، قبل أن يتزعم جبهة النصرة عام 2011.
بلغ نشاط الجبهة العسكري في لبنان ذروته بين عامي 2014 و2017، وتركّزت معاركها في بلدة عرسال. أسفرت المواجهات عن استشهاد 19 عسكرياً من الجيش اللبناني. كما احتجزت الجبهة 11 عسكرياً؛ أعدمت اثنين منهم، بينما انشق أحد المحتجزين قبل أن يُقتل لاحقاً، وبقي مصير العسكريين الثمانية الآخرين مجهولاً حتى عُثر على رفاتهم في وادي الدب بجرود عرسال بعد نحو ثلاث سنوات.
يعتبر الموقف الرسمي اللبناني جبهة النصرة تنظيماً إرهابياً، وقد ترجمه القضاء العسكري اللبناني بإجراءات وقرارات قضائية صارمة شملت تجريم ومحاكمة العديد من المنتمين إليها.
أبرز الشخصيات والوفود الرسمية اللبنانية التي زارت الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق منذ توليه المنصب تشمل: رئيس الحكومة نواف سلام (في زيارتين رسميتين برفقة وفود وزارية)، والرئيس الأسبق نجيب ميقاتي، ووزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، فيما أجرى عدد من القيادات السياسية، ومن بينهم وليد جنبلاط، لقاءات منفصلة مع الرئيس السوري. هكذا، وفي أقل من عقدين، انتقل الرجل الذي ارتبط اسمه بتنظيم مصنف إرهابياً في لبنان إلى رئيس دولة يستقبل المسؤولين اللبنانيين في قصر الشعب، فيما تتعامل معه عواصم غربية وعربية باعتباره شريكاً في مرحلة ما بعد الأسد. وبين ذاكرة الحرب وحسابات السياسة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح هذا التحوّل في تحويل سوريا من مصدر تهديد أمني للبنان إلى شريك في الاستقرار وإعادة الإعمار، أم أن تعقيدات الماضي ستظل تلقي بظلالها على المستقبل؟






