بطرح أولويات مسبقة، دخل الجانبان اللبناني والإسرائيلي في مفاوضات ترعاها الولايات المتحدة الأميركية التي قد تتجاوز دور الوساطة لتكون الجهة الأساسية المؤثرة على سير هذا الملف.
ويأتي تمسك لبنان بتثبيت وقف اطلاق النار في مقابل ضغط اسرائيلي لنزع سلاح حزب الله ليعكس التعقيد الذي يحيط بهذه المفاوضات، انما ثمة من يتحدث عن صعوبة في التلاقي والبعض يقترح طرحا وسطيا لإستكمال المباحثات في مناخات مقبولة، ولا بد من مبادرة وأطراف قادرين على تحقيقها او احداث خرق في سياق قيام انطلاقة ثابتة لهذه المفاوضات.
من يضمن عدم مواصلة اسرائيل في اعتداءاتها ومن يضمن إلتزام حزب الله بقرارات الدولة بشأن حصرية السلاح والوقوف وراءها، وهو الذي لم ينصَعْ اليها في اي مرة من المرات.
لن تكون جولة المحادثات امس الأخيرة فهناك تتمة لها في ظل تدخل اميركي واضح للعمل على عدم إنهيار المفاوضات وفي الوقت نفسه ترغب في إحراز تقدم على صعيد نزع سلاح الحزب.
وفي تقدير مصادر سياسية مطلعة فإن ثمة تحديات كبيرة تواجه مسار التفاوض أبرزها ابتعاد الحزب عن توجهات الدولة وعدم بروز اجماع على آلية التفاوض على الرغم من الدعم الذي يحظى به رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في ما خص التفاوض. لكن هل ان المؤشرات تدلل على نجاح فوري للمفاوضات،هذا امر مستبعد انما المؤكد انها ستتواصل، وهذا هدف اميركي ايضا. وتعتبر ان ترؤس السفير السابق سيمون كرم الوفد اللبناني للمفاوضات يتيح عرض آليات للعمل والتأكد من نية لبنان في التفاوض بإعتباره المدخل لإنهاء الحرب وانقاذ لبنان وهو مطلب مباشر من الرئيس عون.
اما بالنسبة الى المخاوف من توسع الحرب كورقة ضغط من جانب اسرائيل كما من جانب حزب الله فإن المصادر ترى ان هذا السيناريو يبقى واردا في ظل مجموعة معطيات معينة، اذ انه في حال تجددت الحرب على إيران فإن ذلك له انعكاساته على الساحة اللبنانية.
الى ذلك، يقول الكاتب والمحلل السياسي إلياس الزغبي لـ«اللواء» ان المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الماراتونية هذه المرة على مدى يومين متتاليين برعاية أميركية في واشنطن تخضع لتحدٍّ يكاد يتحوّل إلى استعصاء، وهو تثبيت وقف إطلاق نار تام وشامل كمدخل لطرح الموضوعات الأمنيّة والسياسية التي تشكّل جوهر هذه المفاوضات.
والسبب في هذه العقبة الكأداء، بعدما تحوّلت إلى المطلب اللبناني الأوّل، أن وقف إطلاق النار خاضع للطرفين المتحاربين، إسرائيل و«حزب االله» (إيران عملياً)، ليس لطرف واحد كما حصل سابقاً طوال ١٥ شهراً بعد وقف إطلاق النار الذي تم التوصّل إليه في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، وامتناع «حزب االله» عن الرد على الهجمات الإسرائيلية بحجة التزام الاتفاق.
فلو كانت إسرائيل هي المعنية الوحيدة بوقف إطلاق النار لكان الأمر قابلاً للمعالجة من خلال قدرة الولايات المتحدة، والرئيس ترامب شخصياً، على أخذ القرار وإلزام إسرائيل به.
لكنّ إيران تتمسّك بورقة سلاح «الحزب» كإحدى أوراقها المتبقية في المواجهة مع واشنطن وتل أبيب، سواء في الحرب أو في المفاوضات، وهي التي أوعزت لهذا السلاح، بل أمرته، بفتح حرب جديدة في ٢ آذار الفائت غداة مصرع المرشد علي خامنئي، ولا أحد يضمن عدم تجديد إيعازها أو أمرها حتى لو أوقفت إسرائيل غاراتها وعملياتها العسكرية.
والضمانة التي يمكن للبنان أن يحصل عليها من الإدارة الأميركية لتثبيت الهدنة لا يستطيع أن يحصل عليها من إيران التي تصرّ على ربط ملفّها بملف وكيلها المسلّح، خلافاّ لإصرار أميركا وإسرائيل على فصل الملفَّين ميدانياً وسياسياً، بحيث بات قرار «الحزب» مرهوناً بالكامل لقيادة «الحرس الثوري الإيراني».
وأضاف الزغبي :لذلك، يجد لبنان نفسه مطوّقاً بين خيارين صعبين:
إمّا أن يتمسّك بوقف إطلاق النار كشرط مسبق لخوض المفاوضات، وإمّا يستمر فيها تحت النار.
وإذا كان خيار استمراره في التفاوض مع بقاء المواجهات العسكرية في الجنوب وخارجه مسألة صعبة ومحفوفة بالمجهول، فإن خيار قطعه المفاوضات هو أشد خطورة لأنه يعني استمرار الحرب وتصعيدها وخسارة الفرصة التاريخية مع واشنطن لإنقاذه، فيكون قد حصد خسارتين عسكرية وسياسية معاً، وعزل نفسه عن أي أمل بالخروج من محنته.
إنها مفارقة غريبة عائدة إلى أن الدولة اللبنانية تفاوض وهي لا تملك بعد قرار السلم أو الحرب.
وهي مفارقة تعني أن على لبنان التزام أهون الشرَّين: المضي في المفاوضات مع السعي الدائم لتخفيف وطأة الحرب.
إنه شرّ لا بد منه، على أن تؤدّي المفاوضات إلى تحقيق هدفَين متقابلين: إنهاء معضلة سلاح «الحزب» وانسحاب إسرائيلي على خلفية اتفاقات أمنيّة مفتوحة على تدابير سياسية وغير سياسية لاحقة.
عدم تقدم المفاوضات او بقائها في حال من المراوحة.. الأمر سيان لكن ماذا عن وقف اطلاق النار واستمرار القتل والدمار.. هل يدعو ذلك الى جهد داخلي لنسج موقف وطني موحد، فتكون حجة لبنان اقوى وانفع في مواجهة اشكالات التفاوض بدلا من اي ضعف في مكان ما؟