من المقار الدبلوماسية إلى بلدات التماس.. انتشار الجيش اللبناني يفرض إيقاعه السيادي على مفاوضات روما
بينما كانت السفارة الأميركية في العاصمة الإيطالية روما تشهد نقاشات معقّدة في جولتها السادسة لوضع الآليات التنفيذية لـ «اتفاق الإطار»، كان المشهد الميداني في جنوب نهر الليطاني يتحرك بنبض متسارع؛ فحركة وحدات الجيش اللبناني على الأرض بدت كأنها تسبق إعلان التفاهمات اللوجستية النهائية، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول التزامن والأبعاد الاستراتيجية لهذا الحراك الدبلوماسي والعسكري المتوازي.
البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت، والذي تحدّث بنبرة تفاؤلية عن التوصل إلى «هيكلية وإرشادات عملية» لبدء تطبيق آلية «المنطقتين التجريبيتين» في جنوب لبنان، لم يحجب حجم الشياطين الكامنة في تفاصيل التنفيذ. فخلف الكلمات الدبلوماسية الأنيقة حول «الخطوات المثمرة»، تتبدّى حزمة من التحدّيات السيادية والقانونية التي تجعل من انتشار الجيش اللبناني المرتقب في مواجهة مباشرة مع معادلات داخلية وخارجية شديدة الحساسية.
• غطاء دبلوماسي أميركي وضغوط من البيت الأبيض
لم يطل الانتظار لفك شيفرة هذا التزامن، إذ جاء الموقف الرسمي الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت ليضع النقاط على الحروف، واصفاً محادثات روما بـ «المثمرة والإيجابية»، ومؤكداً التوصل إلى توافق حول «الهيكلية والإرشادات» لتنفيذ خطة المنطقتين التجريبيتين وبدء العد التنازلي للتنفيذ خلال الأيام القليلة المقبلة.
هذا الاندفاع الدبلوماسي لا ينفصل عن مناخ سياسي أوسع تقوده الإدارة الأميركية؛ إذ تشير المعطيات إلى أن الملف اللبناني بات يحظى بمتابعة مباشرة وحثيثة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وسط تقارير تفيد بممارسته ضغوطاً مباشرة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لحثّه على سحب قواته من الجبهتين السورية واللبنانية في سياق ترتيب أمني إقليمي شامل. هذا الزخم الأميركي وجد صدىً سريعاً في بيروت، حيث سارع الرئيس اللبناني جوزاف عون لوصف «الاتفاق الإطاري» بمثابة «أفضل الممكن» في هذه المرحلة المعقّدة، تمهيداً لزيارته الرسمية المرتقبة إلى واشنطن والتي ستستغرق ثلاثة أيام مخصصة لبحث برامج تسليح وتمويل الجيش اللبناني ودفع مسار التسوية قُدماً.
• الانتشار الميداني بالأرقام: الجيش يرسم حدوده صامتاً
عملياً، تُرجم التوافق الدبلوماسي سريعاً على الأرض؛ حيث أعلن الجيش اللبناني عن تسيير دوريات وإقامة حواجز أمنية مكثفة في حزام من بلدات قضاء بنت جبيل بجنوب لبنان، شملت: فرون، الغندورية، قلاويه، برج قلاويه، وكفردونين. وتأتي هذه التحركات الأمنية في وقت تشهد فيه هذه البلدات وجوداً عسكرياً إسرائيلياً مستمراً أو مهدّداً بالتوغل، لتمثل خطوة استباقية من قيادة المؤسسة العسكرية لبحث آليات تسلّم المسؤولية الأمنية رسمياً في تلك المناطق المرشحة للانسحاب الإسرائيلي الوشيك.
وفي الشق التنفيذي، تشير المعلومات الدبلوماسية إلى أن الانتقال للمرحلة التقنية سيُترجم قريباً عبر اجتماع عسكري مغلق بواسطة تقنية الفيديو (المرئي الافتراضي) يجمع وفدين عسكريين (لبنانياً وإسرائيلياً) برعاية أميركية مباشرة، لحسم التفاصيل اللوجستية وتثبيت الجدول الزمني الشامل لانسحاب القوات الإسرائيلية تزامناً مع تقدم وحدات الجيش وبحث توسيع الجغرافيا المستهدفة تدريجياً.
• معضلة «الطرف الثالث» وإقصاء المظلة الدولية
أولى الهزات الارتدادية لمفاوضات روما تتبدّى في الآلية المقترحة للإشراف والتحقق. ففي الوقت الذي يتمسّك فيه لبنان تاريخياً بمظلة الأمم المتحدة وقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) كشاهد وضامن دولي على تطبيق القرارات الأممية، كشفت التقارير المسربة عن مسؤولين إسرائيليين عن توجه حاسم لاستبعاد «اليونيفيل» وهيئة مراقبة الهدنة «يونتسو» من آلية التحقق من خلو الجنوب من السلاح.
البديل المقترح هو «طرف ثالث» لم تُحدّد هويته الرسمية بعد، لكن كواليس النقاش تشير إلى رغبة في إسناد المهمة للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) أو لجنة فحص دولية مصغّرة تقودها واشنطن. هذا الطرح يضع السيادة اللبنانية في مأزق حقيقي؛ فالقبول بـ «جهة ثالثة» خارج عباءة الشرعية الدولية للأمم المتحدة قد يكرّس واقعاً من الوصاية الأمنية المباشرة، ويجعل من كفاءة الجيش اللبناني وقدراته الدفاعية خاضعة لتقييم جهات قد تتقاطع مصالحها مع المطالب الأمنية الإسرائيلية. ولم يصدر حتى الساعة أي تأكيد رسمي من الجانب اللبناني بالموافقة على هذا الاستبعاد، مما يعكس عمق الخلاف السيادي حول هذه النقطة الحسّاسة.
• شباك «الملكية الخاصة» والدستور اللبناني
تعدّ المعضلة القانونية لتنفيذ تفتيش وإخلاء السلاح من أهم الملفات الشائكة في المفاوضات. فتنص مسودة الترتيبات على وجوب تفكيك البنية التحتية العسكرية وإزالة أي مظاهر مسلحة من «الأملاك الخاصة». وهنا تبرز المعضلة الدستورية والسيادية:
- الحصانة الدستورية: يحمي الدستور والقوانين اللبنانية الملكية الفردية الخاصة بشكل صارم، ويمنع مداهمة المنازل أو تفتيش العقارات المملوكة للمواطنين دون إذن قضائي واضح ومسوغات جنائية محددة ترتبط بالقانون العام. - خطوط التماس الداخلية: أي محاولة لفرض مداهمات واسعة النطاق من قبل الجيش اللبناني في بلدات الجنوب تحت ضغط الرقابة الدولية قد تؤدي إلى صدام أهلي واحتكاك مباشر بين القوات الشرعية والبيئة الحاضنة للمقاومة، وهو ما تسعى قيادة الجيش لتجنّبه بأي ثمن لعدم الوقوع في فخ الانقسام الداخلي.
البحث لا يزال جارياً في أروقة الصياغة في روما لابتكار «توليفة قانونية» تتيح للجيش أداء مهامه الأمنية دون انتهاك القوانين المحلية وتجاوز حصانة الملكية الخاصة، ودون إحداث شرخ مجتمعي قاتل في القرى الحدودية.
• رهن الانسحاب الكامل بـ «الامتحان التجريبي»
التحدي السيادي الثالث يتعلق بآلية «الخطوة مقابل الخطوة» المعتمدة في خطة «المنطقتين التجريبيتين» (زوطر الغربية في قضاء النبطية كمنطقة محتلة جزئياً، وفرون في بنت جبيل كبلدة على خط التماس). إذ يربط الاتفاق استكمال الانسحاب الإسرائيلي من بقية الأراضي المحتلة بالجنوب بنجاح التجربة الأولى في المنطقتين واختبار قدرة الدولة اللبنانية على نزع السلاح وبسط سيادتها الحصرية فيهما. ذه المقاربة تعني عملياً أن الاحتلال الإسرائيلي يربط جلاء قواته عن الأراضي اللبنانية بـ«امتحان عملي» يقدمه لبنان في الأمن، وهو ما يتعارض مع المنطق السيادي الذي يرى في الانسحاب الإسرائيلي واجباً دولياً غير مشروط بموجب القرارات الأممية الصادرة عن مجلس الأمن. كما أن غياب جدول زمني دقيق وملزم حتى الآن للانسحاب الشامل يترك الباب مفتوحاً أمام الجانب الإسرائيلي للتملص أو تجميد الانسحاب عند أي ثغرة تقنية ميدانية قد تحدث في البلدات النموذجية المقترحة والتي قد تشمل لاحقاً زوطر الشرقية وصريفا وبرج قلاويه.
• الميدان الملتهب: رسائل بالنار والحديد على تخوم التسوية
هذه الديناميكية التفاوضية تسير جنباً إلى جنب مع واقع ميداني مأزوم يشي بصعوبة المخاض الأمني؛ حيث أن مهمة الجيش اللبناني في بلدات خط التماس ليست مجرد انتشار شكلي، بل هي مهمة عالية الخطورة تهدف لحماية الجغرافيا الوطنية وإرساء استقرار حقيقي ينهي هذا العدوان الدامي.
• آفاق المرحلة المقبلة
تؤكد المعطيات والبيانات الرسمية أن قطار التسوية وُضع على السكة الصحيحة للمرحلة الانتقالية. وفي انتظار استكمال المشاورات الفنية وانعقاد اللجنة العسكرية المشتركة يوم الجمعة، يبقى الجيش اللبناني بانتشاره الهادئ والمسؤول على خطوط التماس، الضامن الوحيد لتحويل الأوراق التفاوضية إلى واقع صلب يعيد للدولة هيبتها وللأرض استقرارها، حامياً للسيادة الوطنية من أي اختراق قانوني أو ميداني قد يمسّ بوحدة القرار اللبناني المستقل.






