جاء قرار وزير الخارجية والمغتربين اللبناني بسحب أوراق اعتماد السفير الإيراني واعتباره شخصا غير مرغوب فيه في لبنان، ومنحه مهلة أسبوع لمغادرة الأراضي اللبنانية، خطوة مفصلية على صعيد السياسة الخارجية اللبنانية لما يترتب عليها من انعكاسات سيادية وقانونية ودبلوماسية. وقد صدر القرار خلال الفترة ما قبل صدور قرار بقبول اعتماده رسميا وفق الأصول الدستورية، ما يضفي على القرار بعدا رمزيا وسياسيا الفصلة ما بن تقديم أوراق اعتماده وقبولها، ما وضع الموقف الرسمي اللبناني أمام اختبار دقيق يمزج القانون بالدبلوماسية والسيادة الوطنية.
شكل هذا القرار، مع القرارين المهورين اللذين اتخذا سابقا في مجلس الوزراء «سيبة» ثلاثية القوائم تشير بوضوح إلى أن الدولة راغبة في تعزيز سيادتها وتعويم قرارات مؤسساتها الدستورية. وإذ قضى القرار الأول بحصر السلاح بالأجهزة النظامية العسكرية والأمنية اللبنانية وحدها، بتأكيده على احتكار الدولة للاستخدام الشرعي للقوة وحماية كيانها من أية تدخلات خارجية أو داخلية، بينما قضى القرار الثاني بحظر أي نشاط عسكري لأية جهة غير الدولة، في إشارة واضحة إلى حزب الله. ويأتي القرار الأخير بسحب أوراق اعتماد السفير الإيراني لتعزيز هذا المنحى السيادي، إذ يربط بين السيطرة على السلاح وحظر النشاطات العسكرية غير الرسمية وممارسة السيادة الدبلوماسية بشكل متماسك، بما يرسخ قدرة الدولة على فرض إرادتها داخليا وخارجيا وحماية مصالحها الوطنية العليا.
هذا القرار وما تبعه من رد إيراني رافض، وسكوت على المستوى الرسمي وبخاصة من جانب رئاسة الجمهورية «المعني الأساسي بهذه الصلاحية»، ومجلس الوزراء «المخول حصرا بوضع السياسات العامة للدولة» عن اتخاذ موقف علني وواضح، يثير إشكالية جوهرية دبلوماسية - دستورية، إذ رأى البعض أنه يحظى بموافقة غير معلنة، والبعض الآخر يرى أنه كشف عن افتقاد السلطة المرجعية الرسمية لوحدة الموقف، بالتالي أصحت مصداقية الدولة على المستوى الدولي على المحك، ويعزى ذلك لغموض مدى شرعية القرار ودستوريته داخليا ومدى قدرتها على تنفيذ قراراتها السيادية. فاستقلالية الدولة وفعالية قراراتها ترتبط ارتباطا وثيقا بتوحيد وتنسيق المواقف الرسمية، خصوصا حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية والعلاقات الدولية والدبلوماسية.
من الجانب الدستوري والقانون الدولي نرى أنه من غير المنطق أن ينفرد وزير الخارجية باتخاذ هذا القرار من دون مشورة مسبقة مع كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ذلك أن مجلس الوزراء مسؤول عن وضع السياسة العامة للدولة، بينما يقع اعتماد السفراء وقبول أوراق اعتمادهم ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية(م 65 دستور)، وبالتالي يمكن قراءة القرار بمثابة رسالة واضحة، من الجهة التي يمثلها الوزير مفادها أن الوزير قام بما كان ينبغي أن يقوم به أصحاب الصلاحية لجهة تبني موقف جرئ وواضح تجاه تهميش إيران وحزب الله للدولة اللبنانية التي يعتمدونها كخادمة يقتصر دورها على الجانب اللوجستي للحد من تبعات خياراتهم.
على الصعيد القانوني، نلحظ أن لبنان وإيران طرفان في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تنظم عمل البعثات وتؤكد حق الدولة المضيفة في إعلان أي دبلوماسي شخصا غير مرغوب فيه دون أن تكون ملزمة بتسبيب القرار (المادة 9)، ولها تلزم الدبلوماسي بالامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية واحترام قوانين الدولة المضيفة (المادة 41). وبناء عليه، يندرج القرار المنوه عنه ضمن الحقوق السيادية للبنان، إلا أن القرار بالشكلية التي صدر فيها يبقى إطار معنويا ما لم يصر إلى توفير الغطاء الرسمي من أعلى سلطة، مما يعرض المسؤولين اللبنانيين لمزيد من الإحراج أمام المجتمع الدولي، وخاصة بعد أن كشف أنهم لم يكونوا مصيبين عندما أعلنوا خلو منطقة جنوب الليطاني من الأسلحة وأي تواجد لتنظيمات مسلحة.
أتى القرار في ظل تزايد تعقيدات الصراع الإقليمي بما في ذلك المعركة الدائرة ما بين الحزب والعدو الإسرائيلي والتي تتصاعد وتيرتها الميدانية يوما بعد يوم بالتزامن مع استهدافات جوية إسرائيلة. كما في ظل رفع بعض قادة حزب الله لنبرة تهديداتهم للسلطة وتلميحهم بتحويل أي خلاف دبلوماسي أو سياسي إلى مواجهة داخلية، غافلين عما تنتطوي عليه مثل هذه التصريحات من مخاطر على الاستقرار الداخلي. كما فاتهم أن موجات النزوح من القرى الجنوبية والضاحية الجنوبية تولد المزيد من الضغوط الاجتماعية والأمنية التي تثقل كاهل لبنان، ما يعزز الحاجة إلى موقف رسمي موحد، يربط بين السيادة الوطنية وحماية الداخل. وتضاعفت هذه التعقيدات بفعل التهديدات الإيرانية الأخيرة التي طالت مؤسسات تعليمية أمريكية في لبنان، ما يوجب موقفا حاسما من الدولة، لتلافي المزيد من التدهور ولحماية سلامة أراضيها. كما تبرز ضرورة إدارة الأزمة الدبلوماسية بحكمة وبإطار رسمي واضح وجامع على نحو يصون الأمن الوطني ويجنب البلاد مغبة الانزلاق في فتنة داخلية تزيد من تعقيد المشهدين الداخلي والخارجي.
وفي خضم هذا المشهد المتوتر، لم يكن مفاجئا مسارعة أحد وزراء العدو الإسرائيلي إلى استغلال الوضع، للإشادة بقرار وزير الخارجية اللبناني، كمحاولة منه لتحويل القرار إلى ورقة ضغط على المسؤولين اللبنانيين وإحراجهم وإظهارهم وكأنهم يتحركون وفق إملاءات خارجية، كل ذلك بغرض تعقيد المهمة التي يقوم بها كل من رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء.
تلك التعقيدات تدعونا للقول بضرورة تبني رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مواقف واضحة وموحدة تضمن شرعية القرار وبإقراره وفق الصيغة الدستورية، وحماية مؤسسات الدولة ومواطنيها، والالتزام بالقواعد الدولية للعلاقات الدبلوماسية، ووضع خطة لإدارة أية تداعيات محتملة، وإلا سيبدو القرار يتيما غير مكتمل الإجراءات، ومن جهة أخرى سيتيح للخصوم الإقليميين والمحليين فرصة استغلال الانقسام الرسمي لتعطيل إرادة السلطة وتهميشها.
ورغم حراجة الموقف، نجد أن الخيارات الاستراتيجية أمام الدولة اللبنانية لم تزل متاحة ومتعددة، بحيث يمكنها اعتماد خيار التصعيد، بتثبيت القرار رسميا واتخاذ إجراءات مكملة، لكن هذا الخيار محفوفا بمخاطر توتر العلاقة مع إيران والحزب وما لذلك من تداعيات داخلية قد لا يتحملها لبنان في ظل الانهيارات المتراكمة وتسريب المعلومات عن قرب إصدار المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت لقراره الاتهامي. أما الخيار الأكثر ملاءمة، فيبقى خيار الاحتواء المدروس، عبر إدارة الخلاف من خلال القنوات الدبلوماسية، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات الأمنية داخليا، وإصدار بيان رسمي موحد يوضح موقف الدولة، ويؤكد سيادتها دون الدخول في مواجهة مباشرة. ويمكن دمج خيار إعادة الضبط الدستوري، عبر تدخل مجلس الوزراء لتوحيد الموقف وإعادة إخراج القرار وفق الأصول الدستورية، ما يعزز الشرعية التنفيذية وقابلية القرار للتنفيذ.
وثمة مقاربة مثلى تكمن في استراتيجية مزدوجة تجمع بين الاحتواء الدبلوماسي والحزم الداخلي، ما يسمح بحماية السيادة الوطنية مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي وإدارة مسالة النزوح والأزمات الاجتماعية المترتبة عنها، دون الانزلاق في مواجهة دبلوماسية وفتنة داخلية مكلفتين. ويكتسب هذا الخيار قوة إضافية كونه يعكس قدرة الدولة على اتخاذ قرارات رشيدة تحمي مصالحها العليا وتضع الاستقرار الداخلي في الأولوية، ما يعزز مصداقيتها على المستويين المحلي والدولي في آن واحد.
من الناحية القانونية، إن توحيد الموقف الرسمي يعزز قدرة الدولة على الاستناد إلى نصوص دستورية وقواعد قانونية دولية، أبرزها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (المادتان 9 و41)، والدستور اللبناني ولا سيما المادة 65 منه، التي تحصر اعتماد السفراء بالصلاحيات المناطة برئيس الجمهورية)، ما يوفر للسلطة التنفيذية هامشا لإدارة الموقف بمرونة مع ضمان سلامة الإجراءات وفتح قنوات تفاهم مع إيران ومناصريها في الداخل. كما استبعاد أي انطباع بأن القرار جاء استجابة لضغوط خارجية، خاصة بعد محاولة العدو الإسرائيلي توظيفه إعلاميا، لتوسيع رقعة الخلاف ما بين الدولة اللبنانية والحزب. ولا شك في أن نجاح الدولة في إدارة هذه الأزمة يمر عبر توحيد الموقف الرسمي في إداراة الصراع مع العدو.
القرار الدبلوماسي، مهما كانت مشروعيته، يكتسب قيمته الحقيقية فقط حين يستند إلى شرعية دستورية واضحة وإرادة سياسية موحدة، ويقترن بقدرة على التنفيذ الفعلي. وفي ظل الظروف الراهنة، يظل الحل الأمثل في تبني مقاربة مزدوجة تجمع بين الاحتواء الدبلوماسي والحزم الداخلي، عبر تدخل مجلس الوزراء لتوحيد الموقف الرسمي وإضفاء الشرعية الدستورية على القرار، بإصدار بيان علني موحد في جلسة يحضرها فخامة رئيس الجمهورية، يؤكد سيادتها واستقلالية قرارها. وبموازاة ذلك التأكيد على تعزيز الإجراءات الأمنية الداخلية لحماية المواطنين ومؤسسات الدولة. ولا شك في أن إدارة الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية يجنب المزيد من التصعيد، ويساعد على وضع خطة لإدارة أية تداعيات محتملة على الصعيدين الاجتماعي والأمني، وبما يحافظ على استقرار الداخل ويصون مصالح الدولة العليا ويحفظ هيبتها دوليا ومحليا، ويضمن تماسكها الداخلي واستقرارها الاجتماعي، ويجنبها الانزلاق في مواجهة قد تكون مكلفة سياسيا وأمنيا.