بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 حزيران 2026 12:00ص وهم الإنتصار: بين سردية القوة وحدود الواقع السياسي..

حجم الخط
في المقاربة النفسية-السياسية، لا يُنظر إلى حزب لله كتنظيم عسكري فحسب، بل كمنظومة تُنتج المعنى وتُعيد تشكيل إدراك أتباعها للواقع. ومن هذا المنظور، يصبح "الانتصار” بناءً إدراكيًا يُستخدم لتعزيز التماسك الداخلي وإعادة إنتاج الشرعية، أكثر من كونه حدثًا موضوعيًا قابلاً للقياس…
من منظور علم النفس السياسي، تعمل هذه التنظيمات وفق آليات دفاع جماعية شبيهة بآليات الفرد: التبرير، الإنكار الجزئي، وإعادة التأطير (reframing). وعليه، فإن مفهوم «الانتصار»لا يُفهم هنا كحسم عسكري نهائي، بل كآلية نفسية لتخفيف القلق الجمعي الناتج عن بيئة صراعية دائمة….الانتصارهنا ، يصبح وظيفة أكثر منه نتيجة!
ُظهر تطوّر خطاب حزب لله من "المقاومة” إلى "الردع” تحوّلًا في موقعه من فاعل مقاوم إلى لاعب أساسي داخل البنية السياسية اللبنانية.
ومع ازدياد اندماجه في مؤسسات السلطة، برزت الحاجة إلى إعادة تأكيد هويته الأصلية عبر خطاب خارجي أكثر صلابة.
ويعكس ذلك ما يُعرف في علم النفس السياسي بـ" التوتر الهوياتي”، أي الفجوة بين الهوية المعلنة والوظيفة السياسية الفعلية
يمكن قراءة "وهم الانتصار” كحالة إدراكية جماعية تُضخَّم فيها المكاسب الجزئية وتُعاد فيها تأويل الخسائر بوصفها مراحل مؤقتة في مسار النصر، وهي سمة شائعة في البنى الأيديولوجية المغلقة.
ولا يقتصر هذا النمط على جهة بعينها، بل يظهر عندما يُغلق النظام التفسيري أمام احتمال الهزيمة الفعلية.
كما أن فهمه يقتضي النظر إلى شبكة العلاقات الإقليمية المعقّدة، حيث تتداخل مصالح الأطراف المختلفة ضمن علاقة وظيفية متبادلة أكثر منها تبعية مباشرة…
من منظور نفسي-سياسي، تقوم العلاقة على اعتماد متبادل غير متكافئ؛ إذ يحتاج كل طرف إلى الآخر لتحقيق أهدافه وإن بدرجات مختلفة. ويخلق هذا الواقع توتراً دائماً بين البعدين المحلي والإقليمي، حيث يواجه الفاعل المحلي تحدّي الموازنة بين متطلبات الداخل وأدواره الخارجية. وكلما اختل هذا التوازن، برزت صعوبة أكبر في الحفاظ على الشرعية والهوية معاً…
في علم النفس الجمعي، يمكن تشبيه هذا الوضع بما يُعرف بـ»ازدواجية الدور»: عندما يُطلب من الفاعل أن يكون في آنٍ واحد كياناً دفاعياً خارجياً وسلطة تنظيمية داخلية… هذا التناقض يولّد ضغطاً مستمراً يحتاج إلى تغذية رمزية دائمة، غالباً عبر خطاب «الانتصار»و»الصمود»، حتى في لحظات الجمود أو الخسارة الجزئية.
لكن أخطر ما في «اقتصاد الانتصار الرمزي» هو أنه يعيد تشكيل إدراك الجمهور للواقع… فبدل أن يُقاس الأداء السياسي بقدرة الدولة على الاستقرار، أو تحسين الاقتصاد مثلاً أو إدارة التعدد، يصبح معيار التقييم مرتبطاً بالقدرة على البقاء في حالة مواجهة دائمة... هذا التحول في المعايير هو ما يسمح باستمرار سرديات القوة حتى في ظل أزمات بنيوية عميقة…
من زاوية تحليلية بحتة، يمكن القول إن أي تنظيم سياسي-عسكري طويل الأمد يواجه معضلة التحول من حركة إلى بنية… فالحركة تُعرَّف بالهدف، بينما البنية تُعرَّف بالاستمرارية… وعندما تصبح الاستمرارية هدفاً بحد ذاتها، يبدأ»الانتصار»بفقدان معناه الأصلي، ويتحوّل إلى خطاب تبريري أكثر منه توصيفاً للواقع…
في هذا السياق، لا يعود السؤال: هل يوجد انتصار أم لا؟ بل: كيف يتم إنتاج معنى الانتصار، ومن المستفيد من استمراره كإطار إدراكي؟ هنا يتقاطع التحليل النفسي مع التحليل السياسي، حيث يصبح الخطاب أداة لإدارة التناقضات أكثر من كونه وصفاً لها…
ولا يمكن اختزال الظواهر السياسية المركّبة في توصيفات أحادية مثل «قوة مطلقة» أو «تبعية كاملة» بل الأجدى هو فهمها كبنى ديناميكية تتشكل داخل شبكة من العلاقات النفسية والسياسية والإقليمية المتداخلة. وفي حالة حزب لله، يبدو أن «وهم الانتصار»ليس مجرد شعار دعائي، بل آلية نفسية-سياسية لإدارة واقع شديد التعقيد، حيث تتداخل حدود القوة مع حدود الحاجة وحدود الاستقلال مع حدود الارتباط في صيغة لا تستقر على تعريف نهائي واحد...
في هذا السياق، تُعاد صياغة بعض التدخلات الإقليمية ضمن سردية دفاعية تجعلها جزءًا من مسار "الانتصار” أو منع هزيمة أكبر.
ويتيح هذا التأطير إعادة تفسير الكلفة البشرية والسياسية بوصفها ضرورة تفرضها مواجهة أخطار وجودية أو استراتيجية.
ومن منظور التحليل النفسي السياسي، تُسهم هذه السرديات في إضفاء معنى وقائي ورمزي على الفعل العسكري، بما يخفّف من وطأة نتائجه السلبية
في سياق غزة، يُعاد توظيف الصراع ضمن سردية أوسع تُبرز استمرارية مشروع "المقاومة” وتماسكه الرمزي عبر الحدود.
وتُقدَّم محطات التصعيد كدلائل على فاعلية هذا المشروع حتى عندما تبقى النتائج الميدانية محدودة أو غير حاسمة.
ومن منظور علم النفس الجمعي، يُمثّل ذلك شكلاً من "تعويض المعنى”، حيث تُحوَّل الأحداث المفتوحة النتائج إلى رموز تعبوية تُحافظ على التماسك النفسي للجماعة.
في العلاقة مع إيران، يُقدَّم الدعم المتبادل ضمن خطاب الشراكة، فيما تكشف القراءة البنيوية درجة متفاوتة من الاعتماد السياسي والعسكري والمالي.
ويجعل هذا التداخل من السرديات المحلية جزءًا من منظومة إقليمية أوسع تسهم في تثبيت النفوذ وإعادة إنتاج الشرعية الرمزية.
ومن هنا تنشأ مفارقة بين خطاب الاستقلالية المعلن والارتباط الوظيفي الذي تفرضه شبكة المصالح الإقليمية.
إيران تؤمّن الدعم المالي والعسكري والسياسي، بينما حزب لله ينفّذ دوراً ميدانياً ويمنح هذا النفوذ حضوراً فعلياً على الأرض. ظاهرياً تبدو إيران في موقع "السيد” لأنها مصدر القوة والدعم، لكنّها في الوقت نفسه تحتاج إلى الحزب لتحقيق نفوذها الإقليمي. وهنا تظهر مفارقة هيغل: السيد يعتمد على العبد بقدر ما يعتمد العبد على السيد..
لان العلاقة  لا تقوم على سيطرة أحادية بقدر ما تقوم على اعتماد متبادل غير متكافئ بين الموارد والنفوذ الميداني. ويظهر هذا النمط في سوريا وغزة وإيران عبر إعادة إنتاج الشرعية من خلال سرديات الصمود والانتصار. غير أن هذه السرديات تبقى رهينة استمرار الصراع، ما يجعل التوتر بين الخطاب والواقع أكثر وضوحًا كلما تغيّرت الظروف الإقليمية
لنسلّم جدلًا أننا انتصرنا…هل من أحد يستطيع أن يجيبنا عن هذه الأسئلة الثلاثة البسيطة؟
١- ما المكاسب الملموسة التي جناها المواطن اللبناني العادي مقابل هذه التضحيات والخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة؟
٢-إذا كان الهدف حماية لبنان، فهل أصبح لبنان اليوم أكثر أمناً واستقراراً وسيادةً مما كان عليه قبل هذه المواجهة؟
 ٣-كيف يُفسَّر حجم الدمار الذي لحق بالقرى والمدن اللبنانية، وتهجير مئات الآلاف من اللبنانيين من منازلهم؟

*مختصّة نفسية مجازة من وزارة الصحة العامة وعضو في نقابة النفسانيِّين في لبنان