لم تكن مها أبو خليل، مجرّد اسم في سجل النضال الوطني اللبناني والفلسطيني، بل كانت حكايةً بدأت منذ الصبا في مدينة صور، حيث تشكّلت ملامح وعيها المبكر على حبّ فلسطين والانخراط في قضاياها.
هناك، في المدينة الجنوبية التي احتضنت أحلامها الأولى، خطّت مها في قلبها وملامحها، مسارها النضالي بثبات، حاملةً قضية شعب أدركت مدى الظلم الذي تعرّض له.
عرفها من رافقها بوجهها البشوش، وابتسامتها التي لم تكن تفارقها، حتى في أحلك الظروف.
كانت مناضلةً من طراز خاص، جمعت بين الجرأة والإيمان العميق بعدالة القضية، لتكون واحدة من النساء اللواتي اقتحمن ميادين لم تكن مألوفة آنذاك. وقد سُجّل اسمها إلى جانب المناضلة ليلى خالد كواحدة من أوائل النساء اللواتي شاركن في عمليات خطف الطائرات، لتصبح ثاني امرأة تقدم على هذا الفعل في سياق النضال الوطني الفلسطيني.
ونفذت عدة عمليات منها محاولة اختطاف طائرة لشركة العال الاسرائيلية برفقة اثنين من زملائها في تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في العام 1969 في اليونان.
ظهرت مها بعد الإفراج عن عدد من المناضلين عام 1970 إلى جانب أمين عام «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» «الحكيم» جورج حبش ومجموعة من رفاقها، بينهم سامي عبود وعصام الضميدي، في لحظةٍ تختصر مرحلةً كاملة من الكفاح والتحدي، وتوثّق حضورها الفاعل في صفوف «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».
لم يقتصر حضور مها على العمل النضالي، بل كانت أيضاً في «مؤسسات الإمام الصدر»، ورفيقة درب رئيستها السيدة رباب الصدر شرف الدين، حيث لعبت دوراً إنسانياً واجتماعياً بارزاً، فكانت حاضنةً للأيتام والفقراء، ووجهاً مضيئاً في العمل الاجتماعي، تجمع بين النضال الوطني والعطاء الإنساني.
رحلت مها أبو خليل في واحدة من أكثر اللحظات قسوة، حين طالت الغارات الإسرائيلية مبانٍ سكنية في مدينة صور، قبل وقتٍ قصير من وقف إطلاق النار، وبعد يومين من القصف تم استخراج جثمانها، فهل تعمّد الاحتلال اغتيالها في مرحلة تصفية المناضلين الذين ألموه في مسيرة حياتهم؟
تطوى صفحة من حياة مناضلة لم تعرف التراجع، وأصرّت على المواجهة والإقدام والصمود في أصعب المراحل.
لكن، الرحيل لم يُنهِ الحكاية، فستبقى الدكتورة مها أبو خليل حاضرةً في الذاكرة، كابتسامةٍ تقاوم، وكوجهٍ بشوش لم تُطفئه قسوة الحرب، فهي واحدة من أولئك الذين غادروا الجسد، وبقي الأثر.