في قلب بيروت القديمة، بين أزقة البسطة وضوء الشمس الذي ينساب على البيوت العتيقة، ولدت فتاة تحمل في صوتها وميضاً من السماء. لم يكن صوتها مجرد نغمة تتردد في الأذن، بل كان رسالة تنبض بالأمل والحياة، ووعوداً بغدٍ أفضل للموسيقى اللبنانية. منذ صغرها، بدا صوت نجاح سلام كأنه قادم من عالم آخر، يحمل عذوبة البحر ودفء الشمس، ويعكس روح المدينة التي ربّتها بيروت الأبيّة، النابضة بالعراقة والحرية والحنين.
كانت الموهبة فيها شيئاً طبيعياً، كأنها فطرة في الدم، لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود. بين تلاوة القرآن في طابور المدرسة، وصوت الخشوع في الكورس الكنسي، بدأت نجاح تتلمّس خطواتها الأولى نحو العالم الكبير الذي سيحتضنها يوماً، عالم المسرح والغناء، حيث سيكتشف الناس أن قلب بيروت ينبض في حنجرة فتاة صغيرة. وهذا ما دفع جريدة «النهار» عام 1948 تكتب عنها: «طفلة بيروتية بموهبة استثنائية، صوتها يفيض بالحياة والصدق، وكأن المدينة بأكملها تتحدث من خلاله».
هكذا يبدأ المشوار، من بيت محافظ، وجذور عميقة، وفضول فني، حيث تتلاقى العاطفة مع الموهبة، لتولد نجمة ستسطع في سماء العرب بألحانها وأصواتها وأثرها الذي لن ينسى.
تحلّ ذكرى رحيل نجاح سلام أيقونة بيروت الفنية، التي تركت بصمة لا تُمحى في سماء الغناء العربي. لم تكن نجاح مجرد صوت جميل، بل كانت عنواناً للذوق الرفيع، والأداء الفني المتقن، والسلوك الأخلاقي الرفيع. ارتبط اسمها بالغناء الرشيق والطرب المحبب، وبالالتزام بالقيم المجتمعية التي ترعرعت في كنفها.
وقد كتبت «النهار» اللبنانية عنها عام 1948: «نجاح سلام صوت جديد يزيّن الإذاعة اللبنانية، ويعد بمستقبل باهر في الفن العربي، بصوت يحمل رقة الطرب وصدق التعبير».
بدورها كتبت صحفية «الجمهورية» المصرية عام 1950: «نجاح سلام، اللبنانية الأصيلة، تمثل امتزاجاً رائعاً بين الأصالة الثقافية والموهبة الفنية، صوتها يروي حكايات بيروت العريقة».
• الجذور العائلية وبيروتية الأصالة
ولدت نجاح سلام في محلة الطريق الجديدة في بيروت، حين كانت المنطقة عبارة عن فسحة من الرمول وأشجار الصبير، ومنازلها معدودة. ثم ترعرعت في منطقة البسطة، قلب بيروت النابض بالعروبة والشهامة، حيث اكتسبت المزاج الشعبي والثقافي الذي شكّل شخصيتها الفنية وهويتها الموسيقية.
كونها حفيدة عالم دين وابنة موسيقي بارع، أعطاها هذا التوازن بين الدين والفن، حيث كانت تحرص على الحفاظ على الأخلاق والآداب العامة مع انفتاحها على عالم الفن.
• من تلاوة القرآن إلى الترتيل
في العام 1940-1941، اكتشف والدها جمال صوتها وهي في المدرسة، حين كانت ترتل القرآن في طابور الصباح. لاحظ والدها رخامة صوتها وموهبتها الموسيقية، فقرر أن يوجهها نحو مدرسة راهبات داخلية لتعلّم الغناء، رغم قسوة المدرسة وتأقلمها الصعب معها في البداية.
في اليوم الثاني من التحاقها، سمعتها الراهبة ماري، مسؤولة الكورس في الكنيسة، وطلبت منها الاشتراك في الكورس. برغم كونها مسلمة، دافعت نجاح بعفوية، مؤكدة على معرفة والدها وعلاقته بالمطران، وهو ما أتاح لها الانخراط في الغناء والتعوّد على الأداء أمام الجمهور الصغير.
• أول ظهور على المسرح: الجامعة الأميركية
بدأت نجاح بالغناء في الحفلات المدرسية، وسرعان ما وصلت إلى أول حفل رسمي في «جونيور كوليدج» بالجامعة الأميركية في عام 1942، في قاعة «الوست هول»، بحضور الرئيس صائب سلام وزعيم الحزب السوري القومي أنطوان سعادة.
أثناء الحفل، طلب من نجاح الغناء وسط مسرحية «خدعوك»، فغنت «أسقنيها» لأسمهان و«يا أم العباية»، لتتلقّى التصفيق الحارّ من الجمهور، ما أكسبها الثقة بنفسها. ما دفع صحيفة «النهار» اللبنانية عام 1942 للكتابة عنها: «طفلة بيروتية تتألق على خشبة الجامعة الأميركية، نجاح سلام تدهشنا بقدرتها على التواصل مع الجمهور رغم صغر سنّها».
• اللقاء المؤثّر مع محمد عبد الوهاب
قادها شقيق الرئيس صائب سلام، مصباح سلام، ووالدها للقاء الفنان محمد عبد الوهاب في لبنان، الذي سألها ببساطة: «تحبي تغني؟» فأجابت بالإيجاب فوراً. استمع عبد الوهاب لأغانيها وقال لوالدها: «شوف يا محيي الدين، كل مائة سنة يخرج فنان له شخصية بصوته. إنت بتكون مجرم إذا حجرت على البنت». وتناولت «الجمهورية» المصرية عام 1951 الواقعة كاتبة: «محمد عبد الوهاب يرى في صوت نجاح سلام نادرة حقيقية من نادرات الفن العربي، موهبة لها شخصية واضحة ومستقلة».
• لقاء أم كلثوم أول محطات الاحتراف
ذهبت نجاح مع والدها إلى مصر للتعرّف على أم كلثوم، حيث استقبلتها الست العظيمة بترحاب. طلبت منها أم كلثوم الغناء، فغنّت «أهل الهوى» و«أراك عصي الدمع»، وأعجبت أم كلثوم بالطريقة التي تغنّي بها دون تقليدها، قائلة لوالدها: «نجاح لها رأي بالغُنا. هي تغني أغنياتي لكنها ما بتقلدنيش، وده شيء جيد في الفنان». فكتبت صحيفة «الأهرام» المصرية عام 1952: «نجاح سلام نجمة لبنان الواعدة، صوتها يعكس روح الأصالة اللبنانية مع القدرة على الابتكار في الأداء».
• الفشل الأول في السينما، درس في الاحتراف
عرض عليها عبد الوهاب المشاركة في فيلم «العيش والملح»، لكنها فشلت في المشهد الأول بسبب خجلها. المخرج حسين فوزي فهم السبب، ونصح والدها بأن تمنح ابنته فترة لتكتسب الخبرة، لتعود لاحقًا أقوى وأكثر استعداداً للتعامل مع التمثيل والجمهور.
هذا الدرس المبكر غرس في نجاح إيماناً بأن الموهبة وحدها لا تكفي، بل يلزم التدريب والممارسة المستمرة لصقل الشخصية الفنية.
وفي هذا السياق نورد مقتطف صحفي لصحيفة «المحرر» اللبنانية عام 1949: «نجاح سلام لم يوقفها خجلها في السينما عن مواصلة مشوارها الغنائي، فالموهبة الحقيقة تحتاج إلى صقل واحتكاك دائم بالجمهور».
• العودة إلى بيروت والبحث عن الصوت الحقيقي
عادت نجاح إلى بيروت محملة بخبرة مصرية، لكنها لم تتراجع عن هدفها الأساسي: الغناء على خشبة المسرح أمام الجمهور، والاستماع إلى تصفيقهم وتشجيعهم. بدأت العمل في الإذاعة اللبنانية، وغنّت الأغاني التي أطلقت شهرتها لاحقاً. وهذا ما عكسته جريدة «النهار» اللبنانية عام 1950، حينما كتبت: «صوت نجاح سلام يتردد في أرجاء لبنان، الإذاعة اللبنانية تحمل على أجنحتها أولى نجمات الطرب الجديد».
• «حوّل يا غنام».. الإنطلاقة
كان أول ظهور لها في الغناء الرسمي مع أغنية «حوّل يا غنام» من ألحان الحلاق إيليا المتني عام 1948، لتتبعها أغنية «يا جارحة قلبي» لفيلمون وهبي. هذه الأغاني أطلقت اسمها على مستوى لبنان، ومن ثم الوطن العربي، لتصبح نجمة صاعدة تشق طريقها نحو الشهرة. وقد وصفت صحيفة «الجمهورية» المصرية عام 1948 الأغنية: «أغنية «حوّل يا غنام» لنجاح سلام أحدثت ضجة في الإذاعة اللبنانية، صوتها يجمع بين العذوبة والحيوية».
هكذا، شكّلت سنوات الطفولة والمراهقة لدى نجاح سلام قاعدة صلبة لمسيرتها الفنية، فقد امتزجت فيها الموهبة بالفطرة، والانضباط بالقيم الأخلاقية، والجرأة في التعبير بالصبر على الصعاب. من تلاوة القرآن في طابور المدرسة إلى الانتصار على الخجل أمام الكاميرات، تعلّمت نجاح أن الصوت وحده لا يصنع الفنان، بل المعرفة، التدريب، والانفتاح على الخبرات الحقيقية هي التي تصقله وتمنحه شخصيته المميّزة.
لقد رسمت هذه الفترة تمهيداً لمسيرة طويلة من العطاء الفني، حيث بدأت خطواتها الأولى على خشبة المسرح، واكتسبت ثقة كبار الفنانين الذين لمسوا فيها نادرة موهوبة، وأثبتت أن الجذور العائلية الصلبة، والتنشئة الراقية، والهوية البيروتية الأصيلة، جميعها عوامل أساسية في صناعة فنانة فريدة استطاعت أن تصنع بصمتها في دنيا العرب.
ونختم هذا الجزء بتوصيف جريدة «النهار» اللبنانية عام 1950 للفنانة الواعدة: «نجاح سلام ليست مجرد صوت جميل، بل مثال للفن الأصيل والروح اللبنانية التي تحملها في كل أغنية، والشابة الواعدة التي سيكتب لها التاريخ حضوراً لامعاً».