مواقع التواصل الاجتماعي انتجت الشخصية الافتراضية الجديدة، و صار لكل واحد منا آلاف الأصدقاء الافتراضيين، فيما الحقيقة المرة هي أننا نجلس وحدنا في المقاهي، ننتظر الصديق الحقيقي ان يأتي من ذلك الزمن القديم، ولم تعد العلاقات الجديدة تقتصر على الصداقات الافتراضية وحدها، بل تمددت إلى القناعات والثقافات والأفكار، حتى صار لنا علماء افتراضيون، وأطباء افتراضيون، يجيبون عن كل الأسئلة في ثوان معدودات، واصبحنا مواطنون في دول افتراضية، ومجتمعات افتراضية، وسياسات افتراضية، إلى حد اننا بدأنا نشك في وجودنا الحقيقي أمام وجودنا الافتراضي، وصار بعضنا يخجل من ذكائه البشري أمام سطوة الذكاء الاصطناعي.
أنا الافتراضي أشعر بغيبوبة وجودية، وبانفصال عن الواقع كلما تابعت القنوات الإخبارية، التي تحصر انتباهنا بحدث واحد، وتنقلنا من حدث الى آخر فيما الحدث السابق لم تنته فصوله بعد، ومع هذا التوسع الافتراضي، انتقلنا من متابعة أوكرانيا إلى غزة، ومن غزة إلى إيران ولبنان، وصرنا نتصرف كأن الحروب السابقة قد انتهت، وكأن ويلاتها قد دخلت في دائرة النسيان، وهذا غير صحي وغير صحيح، لأنه يحول الإنسان إلى مجرد أداة يملى عليها ما يجب أن تسمعه، وما ينبغي أن تقوله، وما يراد لها أن تشاهده.
أنا الافتراضي لقد جردت من قيمي وأحلامي، وتحولت إلى مخلوق بلا جذور، بلا أهداف، وبلا انتماء، أحب ما يريدونني أن أحب، وأقتنع بما يريدونني أن أقتنع به، وحين أفكر في التمرد، أشعر بغربة مطلقة، كأنني إن خرجت من تلك الإنسانية الافتراضية، قد أصبح خارج المدنية والحداثة، بل وخارج الإنسانية الطبيعية نفسها، لذلك بتنا نتوق أحيانا إلى العصر الحجري، لا بوصفه زمنا بدائيا، بل بوصفه أكثر واقعية، وأكثر قدرة على إنتاج إنسان حقيقي، مبدع، وخلاق.
أنا الافتراضي أشعر بحزن عميق على الانسان الذكي الذي جعل من التأمل والفلسفة مدخلا إلى العلوم والابتكار والثورات الصناعية، إنه الحنين إلى إنسان يفكر قبل أن يجيب، وإلى إنسان يرى في السؤال تحرير للخيال، وفي الصمت مساحة للتأمل، وفي الواقعية وطن الإنسان الطبيعي، وأنا الافتراضي أشعر بحزن شديد على أنا الحقيقي.