بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 نيسان 2026 12:05ص أصول كي تُنال المطالب

حجم الخط
أن تأخذ دولة كبرى، وهي هنا الولايات المتحدة في شخص إدارة الرئيس ترمب، على عاتقها أمر التفاوض من أجْل إيجاد قواسم مشتركة فالتوصل إلى حل ثابت، أمر في منتهى الأهمية. لكن مشكلة المفاوض ورعايته مع الأطراف الثلاثة التي تأخذ صفة الحالة الأكثر تعقيداً، هي أن هذا المفاوض ليس عادلاً، كما أنه ونعني هنا إدارة الرئيس ترمب تختار من جانبها للتفاوض مع إيران ثم بين إسرائيل المعتدية ولبنان المعتدى عليه، الشخصيات الرسمية التي يعنيها أمر إسرائيل في الدرجة الأولى. هذا بالنسبة إلى الحالة اللبنانية حيث بدا راعي المحاولة الأُولى للتفاوض مع إسرائيل وفي رحاب وزارة الخارجية الأميركية أنه يريد أن يأخذ مِن الجانب اللبناني الكثير من التنازلات مقابل أن يطلب من إسرائيل لاحقاً ما لا يحمي التراث الوطني للبنان فضلاً عن صيغته الطوائفية المطلوب من العم سام أن يأخذ حساسيتها في الإعتبار، ويستحضر بعض التأمل كيف أن المملكة العربية السعودية كانت من خلال صيغة مؤتمر الطائف إستضافة أخوية وقرارات متوازنة حققت تجربة كان من شأن الحرص عليها أن يكون لبنان لاحقاً سيد نفسه حتى في الظروف الراهنة التي يعيشها وجعلتْه في أجواء محاولة رأْب الصدْع المستضافة في مقر وزارة الخارجية الأميركية وفي شخص وزيرها روبيو يبدو مسلوب الحقوق لمصلحة سالبها الجانب الإسرائيلي.
كان من شأن وسيط محايد، أو فلنقل يتسم تاريخه وتصريحات أدلى بها مثْل الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش، أن يحقق نسبة عالية من التوازن كونه ليس مع لبنان بالمطْلق كما أنه ليس ضد إسرائيل التي يترأس عضويتها في منظمة الأمم المتحدة كما سائر الدول الأعضاء ومِن القارات الخمس. ولكن ليس هذا هو الغرض المتفَق أميركياً - إسرائيلياً عليه. ولذا رأيْنا جلسة التفاوض ترمي بأثقال الضغوط على الوفد اللبناني وبالتالي على بعض أركان الدولة الذين إستحضروا فجأة ملامح عملية التفاوض الساداتية ثم المحاولة اللبنانية التالية في شخص القيادة الكتائبية (الأمين بعد البشير والسامي ليس بعيداً عن هذا التوجه وكذلك الطيف الذي يحتضنه الدكتور سمير جعجع). تجدر الإشارة هنا إلى أحدث كلام في شأن التفاوض قاله الدكتور جعجع يوم الإثنين 20 نيسان الجاري في مقابلة أجرتها معه فضائية: «سكاي نيوز عربية» وجاء بالعبارة الآتية: «إن لقاء رئيس الجمهورية جوزف عون مع رئيس الحكومة الإسرائيلية ضرورياً وأرفض أي توجُّه لتأجيل مثل هذا اللقاء...». وما يمكن قوله حول هذه «المعضلة الرئاسية» هو ما دام القائل صاحب الثقل الوازن في وسط محبذي التطبيع مع إسرائيل أو «الطريق إلى السلام»  مقتنعاً ومؤيداً صيغة اللقاء وجدواه وفيما رئيس الجمهورية متردد فلماذا لا يتم مِن جانب الرئيسيْن عون ونواف سلام تكليف الدكتور جعجع رسمياً بهذا الواجب وعلى نحو تكليف السفير السابق سيمون كرم. وفي حال رفْض الدكتور جعجع التكليف فإن تردد الرئيس جوزف عون في أداء هذا العبء يكون مشروعاً.
ما يُراد قوله أيضاً إن التوجه نحو إنهاء الكابوس تفاوضياً ليس بدعة جديدة، فالولايات المتحدة تفاوضت مع اليابان ومع فيتنام ومصر تفاوضت مع إسرائيل ودول كثيرة تفاوضت مع دول. لكن المهم أن لا تكون اليد اللبنانية مرتجفة وهي تفاوض وأن يكون ساعدها الدفاعي جيشاً ومقاومة على حالة من الحرص على الوطن أرضاً وشعباً وعدم التساهل في إقتطاع مساحات. كما أن التوجه نحو الأخذ بإنهاء الكابوس الثقيل الوطأة على الجميع، يتطلب نوعاً من الإلتفاف الوطني بمعنى أن لا يكون لبنان لبنانيْن «لبنان مقاوم» و «لبنان مقاوِم المقاوِم» ولا يستمر هذا التلاسن المؤذي الذي ترك إنطباعات متنوعة لدى شعوب صديقة بأن لبنان يعيش حالة تجاذبات تفضي مفاعيلها إلى أن يَفقد مع الوقت صيغة التعايش الحقيقي مقابل مكاسب تأخذ من مهابته وطناً وشعباً وطوائف.
قبْل بضعة أسابيع وفيما العدوان الإسرائيلي يزداد شراسة، كانت لمناسبة الشهر الفضيل إفطارات رمضانية من المؤسف أنها لم تتجاوز ظاهرة الحفاوة من جانب الذين أقاموا إفطارات أثمرت لقطات مصورة، تركت إنطباعاً بأن هذه الإفطارات أو واحداً منها حَرِص على أن يلتقي فيها الجميع من دون إستثناء، أي مَن يناصبون ظاهرة «حزب الله» المشاكسة ومَن في هذا الحزب دُعي إلى هذا الإفطار أو ذاك، وبالذات تلك الإفطارات على مستوى القمة الرئاسية ومثيلتها الروحية.
مثْل هذه المناسبة لم تحدُث وبقيت حدة التخاطب على ما هي عليه، ومن دون التأمل في كلام قاله يوم الأحد 7 أيلول 2025 نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب في مقر المجلس في الحازمية خلال لقاء حواري لمناسبة الذكرى السابعة والأربعين ﻠ «تغييب الإمام موسى الصدر». ومن جملة ما قاله الشيخ علي «حينما ننتقد الحكومة اليوم لا ننتقدها مِن منطلق طائفي، نحاسبها فقط على أساس ما تقوم به، إن شاه إيران شيعي لكننا كنا مع جمال عبدالناصر السُني ولم نكن مع الشاه. نحن مع القضية الفلسطينية، والفلسطينيون لا أدري إن كان فيهم واحد شيعي ونحن لم نسْع إلى تشييع أحد...».
كلام يشجع على جمْع الأضداد لكنه مع كثير الأسف لم يحدُث وبقي لبنان وهو على مشارف التفاوض الجزئي ثم الإضطراري لبنانيْن إثنين. ومثْل هذا المشهد لا يشجع على نيل المطالب التي لا تؤخذ بالتمني وإنما غلاباً، بقوة الشأن العسكري والجهادي أو بقوة الإلتفاف الوطني أو بالقوتين معاً.
... والله البارىء والغفَّار، إنما ليس لذلك الجندي الصهيوني الذي حطَّم تمثالاً للسيد المسيح. شُلَّت يد هذا الفاعل.