24 نيسان 2026 12:20ص من الدمار إلى الإعمار: هل ينجح لبنان في استثمار الفرصة؟

حجم الخط
إنعقدت الجلسة الثانية من المحادثات اللبنانية–الإسرائيلية في البيت الابيض بحضور الرئيس الامريكي دونالد ترامب في ظل تصاعد التدمير الممنهج في قرى الجنوب الواقعة داخل الخط الأصفر المستحدث من قبل العدو، وبعد الاستهداف السافر والإجرامي للمدنيين والإعلاميين والمسعفين. ويبدو أن هذا التصعيد يهدف إلى كسب الوقت لفرض واقع جديد يضمن أمن مستوطنات الشمال، ويزيد في المقابل من الضغط على الداخل اللبناني. وقد باتت عودة أهالي القرى الخمس والخمسين تتطلب وقتاً طويلاً لإعادة البناء وترميم البنى التحتية وإصلاح الأراضي الزراعية، حتى في حال التوصل إلى اتفاق نهائي لوقف الحرب.
أما التحدي الثاني الذي تواجهه الدولة اللبنانية في هذه المرحلة، فيتمثل في الارتباط الوثيق بين حزب الله وإيران، وما يترتب على ذلك من انعكاسات مرتبطة بمسار مفاوضاتها، إضافة إلى إصرار الحزب على عدم الالتزام الكامل بمقررات الشرعية الدولية أو التزامات الدولة اللبنانية.
في المقابل، لم تغب المؤشرات الإيجابية عن الساحة اللبنانية، إذ عاد لبنان إلى دائرة اهتمام الإدارة الأميركية، والرئيس دونالد ترامب شخصياً، الذي يُنظر إليه كطرف قادر على ممارسة ضغوط على الحكومة الإسرائيلية وإلزامها بالتهدئة. وعلى خط موازٍ، تكثّفت الجهود العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لدعم قرارات الدولة اللبنانية الهادفة إلى تعزيز الاستقرار ووقف آلة القتل والدمار، من دون المساس بالسلم الأهلي والعيش المشترك.
إن هذا الزخم الغربي والعربي يشكّل فرصة ثمينة للبنان لإعادة تحرير الجنوب للمرة الثانية، وإعادة بنائه بدعم الأشقاء والأصدقاء، وتعزيز دور الجيش اللبناني كحامٍ أول وأخير للوطن وصيغته. كما يفتح الباب أمام عودة الأهالي الآمنة إلى قراهم، بعيداً عن هاجس تكرار سيناريوهات الدمار بشكل دوري ومفاجئ.
غير أن هذا الزخم، على أهميته، لا يمكن أن يحقق أهدافه في ظل غياب التماسك الداخلي. فالمقاربات السياسية قد تختلف، لكن الأهداف الوطنية تبقى واحدة: تحرير الأرض، إعادة الإعمار، وعودة أبناء الجنوب. وقد أثبتت التجارب الميدانية السابقة أن موازين القوى تميل لمصلحة الجانب الإسرائيلي، ما يفرض إعادة النظر في الأدوات المعتمدة، والانتقال نحو اعتماد الدبلوماسية كخيار أساسي لحقن الدماء والحفاظ على ما تبقى من مقدرات البلاد.
من هنا، تبرز أهمية المبادرة إلى التفاوض المباشر، ليس من موقع الضعف بل من منطلق حماية المصلحة الوطنية، شرط أن يتم ذلك في ظل حد أدنى من التماسك الداخلي.فإسرائيل غالباً ما تستغل الانقسامات الداخلية لإعادة إشعال الصراعات، وإلهاء اللبنانيين عن قضاياهم الأساسية، بما يتيح لها التمادي في انتهاكاتها.
إن الوعي الوطني، والعقول المنفتحة، والأصوات الهادئة، هي اليوم الركائز الأساسية لعبور هذه المرحلة الدقيقة، وهي السبيل الأمثل لاستثمار هذه الفرصة التاريخية، وطيّ صفحة طويلة من الموت والدمار، والتطلع نحو مستقبل أكثر استقراراً وأمناً للبنان. وكما يقول هنري كيسنجر: «الدبلوماسية هي فنّ تقييد القوة»، وهي المقولة التي تختصر حاجة لبنان اليوم إلى تغليب لغة الحوار على منطق الصراع، بما يحفظ ما تبقَّى من الدولة ويؤسس لمرحلة جديدة من الأستقرار.