يوم الإثنين 15 حزيران 2026 ولمجرد تأكيد للرئيس ترمب بعد وصوله إلى «ايفيان» للمشاركة في «قمة الدول السبع» بأن مذكرة التفاهم مع إيران باتت برسم التوقيع، وأن نص الإتفاق سيُنشر يوم الجمعة 19 حزيران، سجَّل الرئيس جوزاف عون تثميناً مبهراً لما أمكن الإدارة الأميركية والنظام الإيراني التوصل إليه، وبالذات ما يتصل ﺒ «وقْف الأعمال الحربية في المنطقة وبما يشمل لبنان». وأما نتنياهو فإنه تعمَّد العدوان على بلدات في جنوب لبنان وغرضه مِن ذلك تعكير صفو ترمب الذي بدا واضحاً أنه سينهي الصراع منفرداً مع إيران وبالتي هي أقل تعكيراً لمزاجه وهو من أجْل ذلك صرح بأنه سيطلب من نتنياهو الكف عن إعتداءاته على لبنان، لكن صديقه الهتلري الذي يربط بقاءه رئيساً للحكومة في إسرائيل بإستمرار العدوان أبقى مسيَّراته الإستكشافية تعمل في الأجواء اللبنانية ليلاً بعد نهار وتمهد أحياناً لضربات تستهدف مباني سكنية في الضاحية الجنوبية.
مِن الوقفات التي تسهِّل اللقاء المأمول حدوثه في البيت الأبيض بين الرئيس عون والرئيس ترمب، أن الأول إستمر ثابت الموقف أزاء المفاوضات مع إسرائيل متجاوزاً التحفظات التي بلغت على حد نُصْح المفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان مطالبة الرئيس بإعادة النظر ويتمثل ذلك بعبارة «أنتم بمقام يجب أن يجمع ولا يفرِّق وإلاَّ خسرْت حيثيتك الوطنية ولا نريد لك أن تخسر بوصلة مصالح لبنان، ومِن هذا الباب نتوجه لك بالنصيحة وهي الكف عن هذه المواقف التي لا تليق بمركز الرئاسة، لأن رئاسة الجمهورية وُجدت لتكون عنوان مشتركات العائلة اللبنانية لا سبب تمزيقها. ولولا المقاومة التي تسحق ترسانة الإسرائيلي على طول الحافة الجنوبية، لوصل الإسرائيلي إلى قصر بعبدا...».
ومِن جانبه كان الشيخ نعيم قاسم الأمين العام ﻟ «حزب لله» رأى مِن جملة إعتراضاته المتواصلة على المفاوضات التي تتم في رحاب وزارة الخارجية الأميركية «يجب إيقاف هذه المهزلة والإهانة التي تسمَّى المفاوضات المباشرة...».
لكن مقابل إفتقاد السند الشيعي لتجربة التفاوض وما يكرر الرئيسان جوزاف عون ونوَّاف سلام الدعم لها ونُصح الرئيس بري بالتروي مِن دون عدم مواصلة السعي، تستوقفنا مساندة مفتي الجمورية الشيخ عبداللطيف دريان الذي أورد في الرسالة التي وجَّهها يوم الثلاثاء 16 حزيران 2026 لمناسبة رأس السنة الهجرية السطور الآتية: «نحن نواجه تحديات كبرى للدولة والوطن والمواطنين. كنا نعاني الوجود العسكري والسياسي وغلبة السلاح. وقد زاد تحدي السلاح للدولة والإستقرار، وأضيف إليه تحديان لمنع قيام الدولة، وهما صراع إسرائيل وإيران على الأرض، والسيادة وإستقرار الوطن وعمرانه، وعيْش المواطن فيه. الخراب يسري ويتمدد في سائر الأنحاء. ولذلك إختارت السُلطات التفاوض للخروج من المأزق، إذ لا سبيل غيره لوقف القتل والتخريب والتدمير والتهجير...».
ومِن جانبه فإن البطريرك الراعي ساند الرئيس عون منذ أن بدأت المفاوضات مِن خلال قوله في عظة الأحد 17 أيار 2026 «الأوطان لا يحفظها السلاح ولا تحميها القوة بل تبنيها المحبة التي تجعل الإنسان يرى في أخيه شريكاً لا خصماً وأخاً لا عدواً...».
وهذا الكلام الطيِّب كان برسم أميركا ترمب وإيران مجتبى وإسرائيل بنيامين الأكثر حاجة إلى مثْل هذه الوصفة التي نحمد لله أنها ستشق طريقها إلى النجاعة فلا يبقى نتنياهو ينعب إعتداءات وإجتياحات غير عابىء بما آلت إليه أحوال إسرائيل التي أوصلتْها مغامرات رئيس حكومتها إلى أن الألوف من الجيل الشاب بدأوا يهاجرون كما أن حكومتهم بدأت الإستعانة بعمال أجانب بعد حدوث العجز الملحوظ في الصناعات الحربية والتكنولوجية.. هذا إلى إستشراء ظاهرة الكراهية للفلسطينيين وبالذات للمسيحيين منهم ووصلت إلى حد أن يهودياً مِن جماعة بن غفير وسموتريتش التي تمارس الرقص شُلَّت قاماتهم في رحاب المسجد الأقصى دفع براهبة وهي تسير في أحد الشوارع وركَلها دون أن يعترضه أحد.
لقد قال الرئيس عون ما يراه ييسر أمر إهتمام الإدارة الأميركية بالحالة اللبنانية، وعلى الأقل بنسبة تجعل إسرائيل ترتدع وتأخذ في الإعتبار أن علاقة المرحلة الماضية منها ضد إيران بدأت برسم الطي في ضوء ما تم التوصل إليه في محادثات سويسرا، بدليل أن الترحيب الأميركي الودي تصافحاً غير تقليدي مع الوسيط الباكستاني أظهر إمتنان ترمب من خلال نائبه الذي مثَّله في المحادثات، يوحي برغبة أميركية في إبرام صداقة مع إيران تدعمها المصالح المشتركة التي تقود بجزيل الفائدة للولايات المتحدة لا تحققها لها العلاقة على نحو ما كانت طبيعتها طوال سنتين دفعت المنطقة نتيجة ذلك ما لا تتحمله دولة.
مِن هنا وفي إنتظار أن يتم اللقاء المتأخر بين الرئيس ترمب والرئيس عون والذي من أجْل إضفاء جدية على اللقاء، ربما من المجدي أن يكون الوفد الذي سيرافق الرئيس يشمل أعضاء مِن الذين أمضى لبنان سنتين مِن عدم التآلف الذي يحمي الوطن، تحت وطأة تصريحاتهم. وما نقوله برسم الشيخ نعيم قاسم الذي في أحدث إطلالاته التعبوية إعتبر أن «جبروت الطغيان الأميركي إنكسر...» والدكتور سمير جعجع وآخرين يرون التفاوض العميق إلى مشارف التطبيع هو الأكثر جدوى وفي إعتقادهم أن ذلك يبدد الخشية على المصير.
وما نقوله هنا ليس مجرد خواطر كاتب مقال، وإنما هو شعوره كما شعور كل لبناني.. وبالذات الشعب الصامد والصابر والنازح من الجنوب ومناطق في البقاع وبعلبك والهرمل الذي دمر له العدوان الإسرائيلي البيت وأحرق الشجر وسمم التربة.. وكل هذا حدَث تحت سمْع إدارة الرئيس ترمب الذي لعله يعوِّض من خلال إعادة النظر، ما يجعل لقاء الرئيس عون المرتقب به ذي جدوى.
... ومَن صبرَ ظفَر.