بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 حزيران 2026 01:01ص التصعيد في لبنان بين ترامب ونتنياهو؟

حجم الخط
رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقفاً لإطلاق النار على مختلف الجبهات المرتبطة بالمواجهة الإقليمية، لا يزال جنوب لبنان يشهد تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً متواصلاً يثير الكثير من التساؤلات حول الأهداف الحقيقية التي تقف وراء إصرار حكومة بنيامين نتنياهو على إبقاء الجبهة اللبنانية مفتوحة، ولو بحدود مدروسة، في وقت تبذل فيه واشنطن جهوداً مكثفة لمنع أي تطور ميداني قد يهدد التفاهمات التي تم التوصل إليها مع إيران.
المفارقة أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية لا يبدو مرتبطاً فقط بحسابات أمنية أو ميدانية، بل يتجاوز ذلك إلى اعتبارات سياسية داخلية باتت تشكل أحد المحركات الرئيسية لسلوك الحكومة الإسرائيلية الحالية. فنتنياهو، الذي يواجه ضغوطاً سياسية وقضائية متزايدة، يدرك أن انتهاء الحرب بصورة نهائية سيعيد إلى الواجهة ملفات الإخفاقات الأمنية والانقسامات الداخلية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، التي جرى تأجيلها تحت عنوان «ظروف الحرب»، فضلاً عن تسريع محاكمته وإدانته أمام القضاء. لذلك تبدو إطالة أمد المواجهة، ولو بهذه الوتيرة المكثفة من الغارات الجوية، رغم سقوط العديد من ضباط وجنود الإحتلال في المواجهات البرية، جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تأجيل الاستحقاقات الداخلية، والحفاظ على تماسك ائتلافه الحاكم الذي تهيمن عليه قوى اليمين المتطرف. 
كما أن تزايد الخسائر فتح الباب أمام خلافات داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها بين من يدعو إلى استثمار الفرصة التي وفّرتها التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية للتوصل إلى تهدئة مستقرة على الجبهة اللبنانية، وبين معسكر اليمين المتطرف الذي يرفض أي تسوية يمكن أن تُفسَّر باعتبارها تراجعاً أمام حزب لله، أو انتصاراً للمحور الإيراني. ويبدو أن نتنياهو لم يستطع الموازنة بين هذين الاتجاهين، إلا أن حاجته السياسية إلى دعم شركائه المتشددين تدفعه عملياً إلى إطالة أمد المواجهة، رغم الكلفة المتزايدة التي تتحملها إسرائيل على المستويين العسكري والسياسي.
في المقابل، يبدو أن التباعد بين واشنطن وتل أبيب بلغ مستويات غير مسبوقة منذ سنوات. فاستبعاد إسرائيل عملياً من المفاوضات التي أفضت إلى مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، ترك موجة واسعة من الإنتقادات والاستياء داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، نال نتنياهو الجزء الأكبر منها. وقد اعتبرت دوائر عديدة في تل أبيب أن الإدارة الأميركية تعاملت مع الملف الإيراني باعتباره أولوية استراتيجية، تتقدم على الهواجس الإسرائيلية التقليدية، المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، ودور طهران الإقليمي.
هذا التباعد لم يعد مقتصراً على الخلافات السياسية، بل امتد إلى العلاقة الشخصية المتوترة أصلاً بين ترامب ونتنياهو. فالتسريبات المتداولة في الأوساط الأميركية والإسرائيلية تتحدث عن مستوى غير مألوف من التوتر بين الرجلين، وعن انتقادات قاسية يوجهها الرئيس الأميركي لرئيس الحكومة الإسرائيلية، محمّلاً إياه مسؤولية تعطيل جهود التهدئة، وإرباك المسار التفاوضي الذي تسعى واشنطن إلى ترسيخه في المنطقة.
وإذا كانت الإدارات الأميركية السابقة اعتادت مراعاة الحساسيات الإسرائيلية في الملفات الكبرى، فإن الإدارة الحالية تبدو أكثر ميلاً إلى فرض أولوياتها الخاصة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن إنهاء بؤر التوتر الإقليمي بات ضرورة سياسية واقتصادية وأمنية للولايات المتحدة نفسها، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات داخلية مهمة تحتاج خلالها الإدارة إلى بيئة دولية أكثر استقراراً.
أما إيران، فقد وجدت في استمرار التصعيد الإسرائيلي في لبنان فرصة لإعادة توظيف أوراق الضغط التي تملكها. فقرار تأجيل بعض جولات التفاوض لم يكن مجرد خطوة تقنية أو إجرائية، بل حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن استقرار المفاوضات لا يمكن فصله عن استقرار ساحات الاشتباك المرتبطة بها، وفي مقدمها الساحة اللبنانية. ومن هذا المنطلق، تسعى طهران إلى تحميل واشنطن مسؤولية إلزام إسرائيل بوقف النار، إذا كانت تريد الحفاظ على زخم التفاهمات التي تم التوصل إليها.
لكن المشكلة الأساسية تبقى أن لبنان هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر. فكلما طال أمد التجاذب بين واشنطن وطهران وتل أبيب، ازدادت المخاطر على الاستقرار اللبناني. ولذلك فإن مستقبل التهدئة في الجنوب لم يعد مرتبطاً فقط بالتوازنات المحلية، أو حتى بالحسابات الإسرائيلية، بل بات جزءاً من معركة سياسية أوسع تدور حول شكل النظام الإقليمي الجديد، الذي تحاول القوى الكبرى رسم ملامحه بعد انتهاء الحرب الأميركية ـ الإيرانية، فيما يسعى نتنياهو إلى تعطيل هذا المسار ما أمكنه ذلك، خشية أن تكون نهاية الحرب بداية العد العكسي لنهاية مستقبله السياسي.