بيروت - لبنان

اخر الأخبار

17 تموز 2024 12:05ص لا أمل بوقف الحرب في غزة قبل الانتخابات الأميركية

حجم الخط
بعد عشرة أشهر من الحرب الضروس التي تشنها اسرائيل ضد حماس تحت شعار تحقيق «انتصار كبير» وفق الاهداف التي اعلنها بنيامين نتنياهو، والتي لم تستطع ادارة بايدن اقناعه بأنه قد حان الوقت لوقفها مقابل التوصل الى حل ينهي ازمةالاسرى الاسرائيليين لدى حماس بوساطة مصرية وقطرية وبضمانات اميركية، ترضي الطرفين المتنازعين.
كانت المخابرات العسكرية الاسرائيلية قد قدمت للقيادات الاسرائيلية السياسية والعسكرية قراءة واقعية عن مستقبل الحرب، مركزة على انه لا يمكن لهذه الحرب ان تدمّر وتنهي حماس كتنظيم عسكري او سياسي، وذلك منذ شهر شباط الماضي، مع نصيحة لرئيس الحكومة بالتخلي عن مطلب تحقيق «الانتصار الشامل».
بعد هجوم تشرين اول تولّدت قناعة لدى الحكومة الاسرائيلية بأنه لم يعد هناك اية امكانية لاسرائيل لتعيش بسلام في ظل بقاء واستمرار حماس في السيطرة على قطاع غزة. وتفسّر هذه القناعة بضرورة استئصال حماس، بالهجوم الجوي والبري الكاسحين ضد القطاع مستهدفة ليس فقط حماس وبنيتها العسكرية، بل كامل الشعب في القطاع بما في ذلك المستشفيات والمدارس والتجمعات السكانية الكثيفة. لقد استهدفت اسرائيل السكان المدنيين بحجة ان حماس تستعملهم كدروع بشرية، وبالتالي فإنه لا بد من حرمان حماس من كل امكانيات الاحتماء بين اللاجئين المدنيين، وذلك رغم علمها بحجم الجرائم الكبرى التي ترتكبها بحق المدنيين، وبخرقها لجميع قوانين الحرب. وكانت «المغامرة» التي أصرّ نتنياهو على تنفيذها، بإصراره على الهجوم على مدينة رفح، وذلك برغم التحذيرات الاميركية والدولية من نتائجها الكارثية على ما يزيد على مليون لاجئ مدني في المدينة وجوارها.
بعد تحذيرات المخابرات العسكرية الاسرائيلية بعدم واقعية مطلب تحقيق الانتصار الكبير والشامل على حماس، فقد جاءت نتائج العمليات العسكرية في رفح لتجنّب آمال القيادات الاسرائيلية بعدما استمرت حماس في عملياتها العسكرية ضد القوات الاسرائيلية في مختلف مناطق القطاع. وتشكل عمليات حماس في مناطق شمال ووسط القطاع دليلاً على قدرة حماس على دعم مجهود وحداتها العسكرية من خلال الحفاظ على بعض خطوط التموين عبر الحدود المصرية. ويشكل هذا الامر انتكاس فعلية للاستراتيجية الاسرائيلية، عندما ادعت بأن احتلالها لرفح رغم كل الضغوط والتحذيرات، سيؤدي الى تسريع عملية القضاء على حماس وبالتالي حل مشكلة الاسرى، وانهاء الحرب.
بعد عملية رفح استمرت اسرائيل في ارتكابها لجرائم الابادة ضد الشعب في غزة دون اي جدوى عسكرية او سياسية، وبما يؤكد على وجود خلل استراتيجي كبير في ادارة الحكومة الاسرائيلية للحرب، وعلى ضرورة اجراء مراجعة عامة وشاملة، لأهداف الحرب، بعدما ثبت بما لا يقبل الشك بأن اسرائيل لن تنجح في تفكيك حماس واخراجها من القطاع او ان تستعيد الاسرى من دون القبول بالسير قدماً في المفاوضات التي يرعاها كُلٌّ من مصر وقطر.
حان الوقت لكي تدرك اسرائيل بأنه لن يكون بوسعها القضاء على حماس، وبأن عليها ان تتعظ من التجربة الاميركية التي خاضتها الولايات المتحدة ضد الدولة الاسلامية في العراق وسوريا، حين فشلت في القضاء على ايديولوجية التنظيم، بالرغم من كل الجهود العسكرية التي بذلتها، والتي اجبرتها في نهاية المطاف على الحفاظ على وجودها العسكري في هذين البلدين، حيث انها تحتفظ بثلاثة آلاف جندي في العراق وبما يقارب الف جندي في سوريا.
يمكن لاسرائيل ان تسعى لتحقيق عملياً، اضعاف حماس قبل مغادرتها للقطاع من خلال تدميرها لبناها العسكرية وتفكيك آليات القيادة والسيطرة، ومصادرة وتدمير اسلحتها وبنيتها الصناعية، والغاء اجهزتها السياسية والامنية والخدماتية لحكم القطاع. وسيفتح هذا الامر دون شك الباب امام امكانية عودة السلطة لحكم القطاع، بعد اجراء عملية اصلاحية واسعة في جسم السلطة، بما في ذلك تجديد كامل للقيادات في السلطة الفلسطينية، لكن لا بد ان يترافق ذلك مع اعتراف القيادات الاسرائيلية بحق الفلسطينيين في اقامة دولتهم المستقلة على اراضي 1967، وأن تبادر اوروبا والولايات المتحدة الى الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، مع التزام اسرائيل ليس بالخروج فقط من غزة بل بإنهاء الاحتلال للضفة الغربية.
لن تتمكن اسرائيل من الاستمرار في سياسة اخضاع الشعب الفلسطيني بالقتل والاغتيال ومصادرة الاراضي وبناء المزيد من المستوطنات، وإن عملية 7 تشرين لخير دليل على عدم جدوى هذه الاستراتيجية.
حان الوقت لتدرك القيادات الاسرائيلية ضرورة التعامل بحكمة وواقعية مع الشعب الفلسطيني، وبأن العالم قد تغير وبأن هناك نزعة واضحة لدى المجتمع الدولي للاعتراف ودعم مشروع الدولة الفلسطينية، وبأنه لن تتمكن اسرائيل في الاستمرار بانكار حق السيادة والحرية لهذا الشعب. ما بعد عملية 7 تشرين لن يكون كما كان الوضع قبلها في قطاع غزة، وبالتالي لن يكون بامكان اسرائيل الابقاء على حصارها الخانق على القطاع.
لكن لا يبدو في الافق القريب اي موعد لانهاء اسرائيل عملياتها الجوية والبرية، وبالتالي الاعلان عن بداية المرحلة الرابعة من الحرب، والتي تؤمل ان تفتح الامل بتطبيق وقف لاطلاق النار وبداية التحضير لانسحاب القوات الاسرائيلية من مدن غزة، بحيث يفتح ذلك الطريق لتدفق المساعدات الانسانية وبعودة السكان الى مدنهم المدمرة، وأن على الولايات المتحدة تحمّل مسؤولياتها كاملة في عملية التعامل بقوة مع نتائج الحرب وكل تداعياتها وابعادها الانسانية وبعملية اعادة اعمار ما تهدم، وهي عملية طويلة قد تستمر من عقد ونصف الى عقدين، مع تقديرات اولية للتمويل اللازم بنحو 40 مليار دولار.
وستتطلب هذه الكلفة العالية تضافر جهود الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والدول الخليجية.
 في النهاية لن يكون من السهل تصور تجاوب القيادات الاسرائيلية مع مطلب وقف النار كخطوة اولى على طريق التعامل مع نتائج الحرب، ولا بد من انتظار نتائج الانتخابات الاميركية.